جزء : ٣ رقم الصفحة : ٣٤٧
﴿وَقَالَ لاتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا﴾ أي نصيباً واجباً اقتطعته لنفسي من قولهم : فرض له في العطاء، وفرض الجند رزقهم. والمعنى : لأستخلصنهم لغوايتي، ولأخصنهم بإضلالي، وهم الكفرة والعصاة. قال ابن عطية : المفروض هنا معناه المنحاز، وهو مأخوذ من الفرض، وهو الحز في العود وغيره، ويحتمل أن يريد واجباً أن اتخذه، وبعث النار هو نصيب إبليس. قال الحسن : من كل ألف تسعمائة وتسعون قالوا : ولفظ نصيب يتناول القليل فقط. والنص إنّ أتباع إبليس هم
٣٥٢
الكثير بدليل :﴿لاحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُا إِلا قَلِيلا﴾ ﴿فَاتَّبَعُوهُ إِلا فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وهذا متعارض.
وأجيب أن التفاوت إنما يحصل في نوع البشر، أما إذا ضممت أنواع الملائكة مع كثرتهم إلى المؤمنين كانت الكثرة للمؤمنين. وأيضاً فالمؤمنون وإن كانوا قليلين في العدد، نصيبهم عظيم عند الله تعالى. والكفار والفساق وإن كانوا كثيرين فهم كالعدم. انتهى تلخيص ما أحب به. والذي أقول : إنّ لفظ نصيب لا يدل على القليل والكثير، بدليل قوله :﴿لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالاقْرَبُونَ﴾ الآية. والواو : قيل عاطفة، وقيل واو الحال.
﴿وَلاضِلَّنَّهُمْ وَلامَنِّيَنَّهُمْ وَلامُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ ءَاذَانَ الانْعَـامِ وَلامُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ هذه خمسة أقسم إبليس عليها : أحدها : اتخاذ نصيب من عباد الله وهو اختياره إياهم. والثاني : إضلالهم وهو صرفهم عن الهداية وأسبابها. والثالث : تمنيته لهم وهو التسويل، ولا ينحصر في نوع واحد، لأنه يمني كل إنسان بما يناسب حاله من طول عمر وبلوغ وطر وغير ذلك، وهي كلها أماني كواذب باطلة. وقيل : الأماني تأخير التوبة. وقيل : هي اعتقاد أن لا جنة ولا نار، ولا بعث ولا حساب. وقال الزمخشري : ولأمنينهم الأماني الباطلة من طول الأعمار، وبلوغ الآمال، ورحمة الله تعالى للمجرمين بغير توبة، والخروج من النار بعد دخولها بالشفاعة، ونحو ذلك انتهى. وهذا على منزعه الاعتزالي وولوعه بتفسير كتاب الله عليه من غير إشعار لفظ القرآن بما يقوله وينحله. والرابع : أمره إياهم الناشىء عنه تبتيك آذان الأنعام، وهو فعلهم بالبحائر كانوا يشقون آذان الناقة إذا ولدت خمسة أبطن. وجاء الخامس ذكرا وحرموا على أنفسهم الانتفاع بها قاله : عكرمة، وقتادة، والسدي. وقيل : فيه إشارة إلى كل ما جعله الله كاملاً بفطرته، فجعل الإنسان ناقصاً بسوء تدبيره. والخامس أمره إياهم الناشىء عنه تغيير خلق الله تعالى.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٣٤٧
قال ابن عباس، وابراهيم، ومجاهد، والحسن، وقتادة، وغيرهم. أراد تغيير دين الله، ذهبوا في ذلك إلى الاحتجاج بقوله :﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ أي لدين الله. والتبديل يقع موقعه التغيير، وإن كان التغيير أعم منه. ولفظ لا تبديل لخلق الله خبر، ومعناه : النهي. وقالت فرقة منهم الزجاج : هو جعل الكفار آلهة لهم ما خلق للاعتبار به من الشمس والنار والحجارة، وغير ذلك مما عبدوه. وقال ابن مسعود، والحسن : هو الوشم وما جرى مجراه من التصنع للتحسين، فمن ذلك الحديث في :"لعن الواشمات والمستوشمات والمتنمصات والمتفلجات المغيرات خلق الله ولعن الواصلة والمستوصلة" انتهى.
وقال ابن عباس أيضاً وأنس، وعكرمة، وأبو صالح، ومجاهد، وقتادة أيضاً : هو الخصاء، وهو في بني آدم محظور. وكره أنس خصاء الغنم، وقد رخص جماعة فيه لمنفعة السمن في المأكول، ورخص عمر بن عبد العزيز في خصاء الخيل. وقيل للحسن : إن عكرمة قال ؛ هو الخصاء قال : كذب عكرمة، هو دين الله تعالى. وقيل : التخنت. وقال الزمخشري : هو فقء عين الحامي وإعفاؤه عن الركوب انتهى. وناسب هذا أنه ذكر أثر ذلك تبتيك آذان الأنعام، فناسب أن يكون التغيير هذا. وقيل : تغيير خلق الله هو أنَّ كل ما يوجده الله لفضيلة فاستعان به في رذيلة فقد غير خلقه. وقد دخل في عمومه ما جعله الله تعالى للإنسان من شهوة الجماع ليكون سبباً للتناسل على وجه مخصوص، فاستعان به في السفاح واللواط، فذلك تغيير خلق الله. وكذلك المخنث إذا نتف لحيته، وتقنع تشبهاً بالنساء، والفتاة إذا ترجلت متشبهة بالفتيان. وكل ما حلله الله فحرموه، أو حرمه تعالى فحللوه. وعلى ذلك :﴿قُلْ أَرَءَيْتُم مَّآ أَنزَلَ اللَّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلَـالا﴾ وإلى هذه الجملة أشار المفسرون، ولهذا قالوا : هو تغيير أحكام الله. وقيل : هو تغيير الإنسان بالاستلحاق أو النفي. وقيل : خضاب الشيب بالسواد. وقيل : معاقبة الولاة بعض الجناة بقطع الآذان، وشق المناخر، وسمل العيون،
٣٥٣