﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا ﴾ لما ذكر أنّ وعد الشيطان هو غرور باطل، ذكر أنّ هذا الوعد منه تعالى هو الحق الذي لا ارتياب فيه، ولا شك في إنجازه. والذين مبتدأ، وسيدخلهم الخير. ويجوز أن يكون من باب الاشتغال أي : وسندخل الذين آمنوا سندخلهم. وانتصب وعد الله حقاً على أنه مصدر مؤكد لغيره، فوعد الله مؤكداً لقوله : سيدخلهم، وحقاً مؤكد لوعد الله.
﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلا﴾ القيل والقول واحداً، أي : لا أحد أصدق قولاً من الله. وهي جملة مؤكدة أيضاً لما قبلها. وفائدة هذه التواكيد المبالغة فيما أخبر به تعالى عباده المؤمنين، بخلاف مواعيد الشيطان وأمانته الكاذبة المخلفة لأمانيه.
﴿لَّيْسَ بِأَمَـانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِىِّ أَهْلِ الْكِتَـابِ﴾ قال ابن عباس، والضحاك، وأبو صالح، ومسروق، وقتادة، والسدي، وغيرهم : الخطاب للأمة. قال بعضهم : اختلفوا مع قوم من أهل الكتاب فقالوا : ديننا أقدم من دينكم. وأفضل، فنبينا قبل نبيكم. وقال المؤمنون : كتابنا يقضي على الكتب، ونبينا خاتم الأنبياء، ونحو هذا من المحاورة فنزلت. وقال مجاهد وابن زيد : الخطاب لكفار قريش، وذلك أنهم قالوا : لن نبعث ولن نعذب، وإنما هي حياتنا لنا فيها النعيم، ثم لا عذاب. وقالت اليهود : نحن أبناء الله وأحباؤه. إلى نحو هذا من الأقوال كقولهم.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٣٤٧
﴿لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَـارَى ﴾ فرد الله تعالى على الفريقين.
وقال الزمخشري في ليس : ضمير وعد الله، أي : ليس ينال ما وعد الله من الثواب بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب. والخطاب للمسلمين، لأنه لا يتمنى وعد الله إلا من آمن به، ولذلك ذكر أهل الكتاب معهم لمشاركتهم لهم في الإيمان. وعن الحسن : ليس الإيمان بالتمني، ولكن ما وقر في القلب، وصدقه العمل. إنَّ قوماً ألهتم أماني المغفرة حتى خرجوا من الدنيا ولا حسنة لهم، وقالوا : نحسن الظن بالله، وكذبوا لو أحسنوا الظن به لأحسنوا العمل. ويحتمل أن يكون الخطاب للمشركين لقولهم : إن كان الأمر كما يزعم هؤلاء لنكونن خيراً منهم وأحسن حالاً، لأوتين مالاً وولداً إن لي عنده للحسنى. وكان أهل الكتاب يقولون : نحن أبناء الله وأحباؤه لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة، ويعضده تقدم ذكر أهل الشرك انتهى.
وعلى هذه الأقوال وقع الاختلاف في اسم ليس، وأقر بها أنَّ الذي يعود الضمير عليه هو الوعد من أنه تعالى يدخلهم الجنة، ويليه أن يعود على الإيمان المفهوم من قوله :﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّـالِحَـاتِ﴾ كما ذهب إليه الحسن، ثم إنه يعود على ما وقعت فيه محاورة المؤمنين وأهل الكتاب، أو ما قالته قريش وأهل الكتاب على ما مر ذكره. وقال الحوفي : اسم ليس مضمر فيها على معنى : ليس الثواب عن الحسنات ولا العقاب على السيئات بأمانيكم، لأنّ الاستحقاق إنما يكون بالعمل، لا بالأماني. وقال أبو البقاء : ليس مضمر فيها ولم يتقدم له ذكر، وإنما دل عليه سبب الآية، وذلك أن اليهود والنصارى قالوا : نحن أصحاب الجنة. وقال المشركون : لا نبعث. فقال : ليس بأمانيكم أي : ليس ما ادعيتموه بأمانيكم. وقرأ الحسن، وأبو جعفر، وشيبة بن نصاح، والحكم، والأعرج : بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب ساكنة الياء، جمع على فعالل، كما يقال : قراقير وقراقر، جمع قرقور.
﴿مَن يَعْمَلْ﴾ قال الجمهور : اللفظ عام، والكافر والمؤمن مجازيان بالسوء يعملانه. فمجازاة الكافر النار، والمؤمن بنكبات الدنيا. فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه : لما نزلت قلت : يا رسول الله ما أشد هذه الآية
٣٥٥
جاءت قاصمة الظهر، فقال صلى الله عليه وسلّم :"إنما هي المصيبات في الدنيا" وقالت بمثل هذا التأويل عائشة رضي الله عنها. وقال به : أبي بن كعب، وسأله الربيع بن زياد عن معنى الآية وكأنه خافها فقال له : أي ما كنت أظنك إلا أفقه مما أرى، ما يصيب الرجل خدش أو غيره إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر. وخصص الحسن، وابن زيد بالكفار يجازون على الصغائر والكبائر. وقال الضحاك : يعني اليهود والنصارى والمجوس وكفار العرب، ورأى هؤلاء أن الله تعالى وعد المؤمنين بتكفير السيئات. وخصص السوء ابن عباس، وابن جبير بالشرك. وقيل : السوء عام في الكبائر.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٣٤٧
﴿عَذَابًا أَلِيمًا وَلا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾ روى ابن بكار عن ابن عامر ولا يجد بالرفع على القطع.


الصفحة التالية
Icon