أن الله قلب له غرائر الرمل دقيقاً حواري عجن، وخبز وأطعم الناس منه. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلّم :"اتخذ الله ابراهيم خليلاً وموسى نجياً واتخذني حبيباً ثم قال : وعزتي وجلالي لأوثرن حبيبي على خليلي ونجييّ" لما أثنى على من اتبع ملة ابراهيم أخبر بمزيته عنده واصطفائه، ليكون ذلك أدعى إلى اتباعه. لأن من اختصه الله بالخلة جدير بأن يتبع أو ليبين أن تلك الخلة إنما سببها حنيفية ابراهيم عن سائر الأديان إلى دين الحق كقوله :﴿وَإِذِ ابْتَلَى إبراهيم رَبُّه بِكَلِمَـاتٍ فَأَتَمَّهُنَّا قَالَ إِنِّى جَـاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ﴾ أي قدوة لإتمامك تلك الكلمات. ونبه بذلك على أنّ من عمل بشرعه كان له نصيب من مقامه. وليست هذه الجملة معطوفة على الجملة قبلها، لأن الجملة قبلها معطوفة على صلة مَن، ولا تصلح هذه للصلة، وإنما هي معطوفة على الجملة الاستفهامية التي معناها الخبر، أي : لا أحد أحسن ديناً ممن أسلم وجهه لله، نبهت على شرف المنبع وفوز المتبع. وقال الزمخشري :(فإن قلت) : ما موقع هذه الجملة ؟ (قلت) : هي جملة اعتراضية لا محل لها من الإعراب كنحو ما يجيء في الشعر من قولهم : والحوادث جمة، وفائدتها تأكيد وجوب اتباع ملته، لأن من بلغ من الزلفى عند الله أن اتخذه خليلاً كان جديراً بأن تتبع ملته وطريقته انتهى. فإن عنى بالاعتراض غير المصطلح عليه في الضوء فيمكن أن يصح قوله، كأنه يقول : اعترضت الكلام. وإن عنى بالاعتراض المصطلح عليه فليس بصحيح، إذ لا يعترض إلا بين مفتقرين كصلة وموصول، وشرط وجزاء، وقسم ومقسم عليه، وتابع ومتبوع، وعامل ومعمول، وقوله : كنحو ما يجيء في الشعر من قولهم : والحوادث جمة، فالذي نحفظه أن مجيء الحوادث جمة إنما هو بين مفتقرين نحو قوله :
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٣٤٧
وقد أدركتني والحوادث جمةأسنة قوم لا ضعاف ولا عزل
ونحو قال الآخر :
ألا هل أتاها والحوادث جمةبأن أمرأ القيس بن تملك بيقرا
ولا نحفظه جاء آخر كلام.
﴿وَلِلَّهِ مَا فِى السَّمَـاوَاتِ وَمَا فِى الارْضِ﴾ لما تقدم ذكر عامل السوء وعامل الصالحات، أخبر بعظيم ملكه. وملكه بجميع ما في السموات، وما في الأرض، والعالم مملوك له، وعلى المملوك طاعة مالكه. ومناسبة هذه الآية لما قبلها ظاهرة لما ذكرناه، ولما تقدم ذكر الخلة، فذكر أنه مع الخلة عبد الله، وأن الخلة ليست لاحتياج، وإنما هي خلة تشريف منه تعالى لابراهيم عليه السلام مع بقائه على العبودية.
﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ مُّحِيطًا﴾ أي : عالماً بكل شيء من الجزئيات والكليات، فهو يجازيهم على أعمالهم خيرها وشرها، قللها وكثيرها.
وقد تضمنت هذه الآيات أنواعاً من الفصاحة والبلاغة والبيان والبديع. منها التجنيس المغاير في : فقد ضل ضلالاً، وفي : فقد خسر خسراناً، وفي : ومن أحسن وهو محسن. والتكرار في : لا يغفر ويغفر، وفي : يشرك ومن يشرك، وفي : لآمرنهم، وفي : اسم الشيطان، وفي : يعدهم وما يعدهم، وفي : الجلالة في مواضع، وفي : بأمانيكم ولا أماني، وفي : من يعمل ومن يعمل، وفي : ابراهيم. والطباق المعنوي في : ومن يشاقق والهدى، وفي : أن يشرك به ولمن يشاء يعني المؤمن، وفي : سواء والصالحات. والاختصاص في : بصدقة أو معروف أو إصلاح، وفي : وهو مؤمن، وملة ابراهيم، وفي : ما في السموات وما في الأرض. والمقابلة في : من ذكر أو أنثى. والتأكيد بالمصدر في : وعد الله حقاً. والاستعارة في : وجهه لله عبر به عن القصد أو الجهة وفي : محيطاً عبر به عن العلم بالشيء من جميع جهاته. والحذف في عدة مواضع.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٣٤٧
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٣٥٧
٣٥٧
الشح : قال ابن فارس البخل مع الحرص. وتشاح الرجلان في الأمر لا يريدان أن يفوتهما، وهو بضم الشين وكسرها. وقال ابن عطية : الشح الضبط على المعتقدات والإرادة، ففي الهمم والأموال ونحو ذلك مما أفرط فيه، وفيه بعض المذمة. وما صار إلى حيز الحقوق الشرعية وما تقتضيه المروءة فهو البخل، وهو رذيلة. لكنها قد تكون في المؤمن ومنه الحديث :"قيل : يا رسول الله، أيكون المؤمن بخيلاً ؟ قال : نعم" وأما الشح ففي كل أحد، ويدل عليه :"وأحضرت الأنفس الشح" و"من يوق شح نفسه" لكل نفس شحاً وقول النبي عليه السلام :"أن تصدق وأنت صحيح شحيح" ولم يرد به واحداً بعينه، وليس بحمد أن يقال هنا إن تصدق وأنت صحيح بخيل.
المعلقة : هي التي ليست مطلقة ولا ذات بعل. قال الرجل : هل هي إلا خطة، أو تعليق، أو صلف، أو بين ذاك تعليق. وفي حديث أم زرع : زوجي العشنق إن انطق أطلق، وإن أسكت أعلق" شبهت المرأة بالشيء المعلق من شيء، لأنه لا على الأرض استقر، ولا على ما علق منه. وفي المثل : أرض من المركب بالتعليق.