الزمخشري رحمه الله تعالى. وقال بعض المعاصرين : قد عظم أمر هؤلاء المنفعلة عند العامة وكثر القول فيهم بالحلول والوحدة، وسر الحروف، وتفسير القرآن على طريق القرامطة الكفار الباطنية، وادعاء أعظم الخوارق لأفسق الفساق، وبغضهم في العلم وأهله، حتى أن طائفة من المحدثين قصدوا قراءة الحديث على شيخ في خانقاتهم يروي الحديث فبنفس ما قرأوا شيئاً من حديث الرسول. خرج شيخ الشيوخ الذين هم يقتدون به، وقطع قراءة الحديث، وأخرج الشيخ المسمع والمحدثين وقال : روحوا إلى المدارس شوشتم علينا. ولا يمكنون أحداً من قراءة القرآن جهراً، ولا من الدرس للعلم. وقد صح أنّ بعضهم ممن يتكلم بالدهر على طريقتهم، سمع ناساً في جامع يقرؤون القرآن فصعد كرسيه الذي يهدر عليه فقال : يا أصحابنا شوشوا علينا، وقام نافضاً ثوبه، فقام أصحابه وهو يدلهم لقراء القرآن، فضربوهم أشد الضرب، وسل عليهم السيف من اتباع ذلك الهادر وهو لا ينهاهم عن ذلك. وقد علم أصحابه كلاماً افتعلوه على بعض الصالحين حفظهم إياه يسردونه حفظاً كالسورة من القرآن، وهو مع ذلك لا يعلمهم فرائض الوضوء، ولا سننه، فضلاً عن غيرها من تكاليف الإسلام. والعجب أن كلاً من هؤلاء الرؤوس يحدث كلاماً جديداً يعلمه أصحابه حتى يصير لهم شعاراً، ويترك ما صح عن الرسول صلى الله عليه وسلّم من الأدعية المأثورة المأمور بها. وفي كتاب الله تعالى على غثاثة كلامهم، وعاميته، وعدم فصاحته، وقلة محصوله، وهم مستمسكون به كأنه جاءهم به وحي من الله. ولن ترى أطوع من العوام لهؤلاء يبنون لهم الخوانق والربط، ويرصدون لهم الأوقاف، وهم أبغض الناس في العلم والعلماء، وأحبهم لهذه الطوائف. والجاهلون لأهل العلم أعداء.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٥٠٥
﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَـافِرِينَ﴾ هو جمع ذليل لا جمع ذلول الذي هو نقيض الضعف، لأن ذلولاً لا يجمع على أذلة بل ذلل، وعدي أذلة بعلى وإن كان الأصل باللام، لأنه ضمنه معنى الحنو والعطف كأنه قال : عاطفين على المؤمنين على وجه التذلل والتواضع. قيل : أو لأنه على حذف مضاف التقدير : على فضلهم على المؤمنين على وجه التذلل والتواضع. قيل : أو لأنه على حذف مضاف التقدير : على فضلهم على المؤمنين، والمعنى أنهم يذلون ويخضعون لمن فضلوا عليه مع شرفهم وعلو مكانهم، وهو نظير قوله :﴿أَشِدَّآءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ﴾ وجاءت هذه الصفة بالاسم الذي فيه المبالغة، لأن أذلة جمع ذليل وأعزة جمع عزيز، وهما صفتا مبالغة، وجاءت الصفة قبل هذا بالفعل في قوله :﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُا﴾ لأن الاسم يدل على الثبوت، فلما كانت صفة مبالغة، وكانت لا تتجدد بل هي كالغريزة، جاء الوصف بالاسم. ولما كانت قبل تتجدد، لأنها عبارة عن أفعال الطاعة والثواب المترتب عليها، جاء الوصف بالفعل الذي يقتضي التجدد. ولما كان الوصف الذي يتعلق بالمؤمن أوكد، ولموصوفه الذي قدم على الوصف المتعلق بالكافر، ولشرف المؤمن أيضاً. ولما كان الوصف الذي بين المؤمن وربه أشرف من الوصف الذي بين المؤمن والمؤمن، قدّم قوله يحبهم ويحبونه على قوله : أذلة على المؤمنين.
وفي هذه الآية دليل على بطلان قول من ذهب إلى أن الوصف إذا كان بالاسم وبالفعل لا يتقدم الوصف بالفعل على الوصف بالاسم إلا في ضرورة الشعر نحو قوله :
وفرع يغشى المتن أسود فاحم
إذ جاء ما ادعى أنه يكون في الضرورة في هذه الآية، فقدم يحبهم ويحبونه ـ وهو فعل ـ على قوله : أذلة وهو اسم. وكذلك قوله تعالى :﴿وَهَـاذَا كِتَـابٌ أَنزَلْنَـاهُ مُبَارَكٌ﴾ وقرىء شاذاً أذلة، وهو اسم وكذا أعزة نصباً على الحال من النكرة إذا قربت من المعرفة بوصفها. وقرأ عبد الله : غلظاء على الكافرين مكان
٥١٢
أعزة.
﴿يُجَـاهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي في نصرة دينه. وظاهر هذه الجملة أنها صفة، ويجوز أن تكون استئناف أخبار. وجوز أبو البقاء أن تكون في موضع نصب حالاً من الضمير في أعزة.


الصفحة التالية
Icon