وأما الذين مسخوا خنازير فقيل : شيوخ أصحاب السبت، إذ مسح شبانهم قردة قاله : ابن عباس. وقيل : أصحاب مائدة عيسى. وذكرت أيضاً قصة طويلة في مسخ بني إسرائيل خنازير ملخصها : أنّ امرأة منهم مؤمنة قاتلت ملك مدينتها ومن معه، وكانوا قد كفروا بمن اجتمع إليها ممن دعته إلى
٥١٨
الجهاد ثلاث مرات وأتباعها يقتلون، وتنفلت هي، فبعد الثالثة سببت واستبرأت في دينها، فمسخ الله أهل المدينة خنازير في ليلتهم تثبيتاً لها على دينها، فلما رأتهم قالت : اليوم علمت أن الله أعز دينه وأقره، فكان المسخ خنازير على يدي هذه المرأة، وتقدم تفسير الطاغوت.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٥٠٥
وقرأ جمهور السبعة : وعبد الطاغوت. وقرأ أبيّ : وعبدوا الظاغوت. وقرأ الحسن في رواية : وعبد الطاغوت بإسكان الباء. وخرجه ابن عطية : على أنه أراد وعبداً منوّناً فحذف التنوين كما حذف في قوله :﴿وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلا قَلِيلا﴾ ولا وجه لهذا التخريج، لأن عبداً لا يمكن أن ينصب الطاغوت، إذ ليس بمصدر ولا اسم فاعل، والتخريج الصحيح أن يكون تخفيفاً من عبد بفتحها كقولهم : في سلف سلف. وقرأ ابن مسعود في رواية : عُبد بضم الباء نحو شرف الرجل أي : صار له عبد كالخلق والأمر المعتاد قاله : ابن عطية : وقال الزمخشري : أي صار معبوداً من دون الله كقولك : أمر إذا صار أميراً انتهى. وقرأ النخعيّ وابن القعقاع والأعمش في رواية هارون، وعبد الطاغوت مبنياً للمفعول، كضرب زيد. وقرأ عبد الله في رواية : وعبدت الطاغوت مبنياً للمفعول، كضربت المرأة. فهذه ست قراءآت بالفعل الماضي، وإعرابها واضح. والظاهر أنّ هذا المفعول معطوف على صلة من وصلت بلعنه، وغضب، وجعل، وعبد، والمبني للمفعول ضعفه الطبري وهو يتجه على حذف الرابط أي : وعبد الطاغوت فيهم أو بينهم. ويحتمل أن يكون وعبد ليس داخلاً في الصلة، لكنه على تقدير من، وقد قرأ بها مظهرة عبد الله قرأ، ومن عبد فإما عطفاً على القردة والخنازير، وإما عطفاً على من قوله : من لعنه الله. وقرأ أبو واقد الأعرابي : وعباد الطاغوت جمع عابد، كضرّاب زيد. وقرأ ابن عباس في رواية، وجماعة، ومجاهد، وابن وثاب : وعبد الطاغوت جمع عبد، كرهن ورهن. وقال ثعلب : جمع عابد كشارف وشرف. وقال الزمخشري تابعاً للأخفش : جمع عبيد، فيكون إذ ذاك جمع وأنشدوا :
أنسب العبد إلى آبائهاسود الجلدة من قوم عبد
وقرأ الأعمش وغيره : وعبد الطاغوت جمع عابد، كضارب وضرب. وقرأ بعض البصريين ؟ : وعباد الطاغوت جمع عابد كقائم وقيام، أو جمع عبد. أنشد سيبويه :
أتوعدني بقومك يا ابن حجلاسابات يخالون العبادا
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٥٠٥
وسمى عرب الحيرة من العراق لدخولهم في طاعة كسرى : عباداً. وقرأ ابن عباس في رواية : وعبيد الطاغوت جمع عيد، نحو كلب وكليب. وقرأ عبيد بن عمير : وأعبد الطاغوت جمع عبد كفلس وأفلس. وقرأ ابن عباس وابن أبي عبلة : وعبد الطاغوت يريد وعبدة جمع عابد، كفاجر وفجرة، وحذف التاء للإضافة، أو اسم جمع كخادم وخدم، وغائب وغيب. وقرىء : وعبدة الطاغوت بالتاء نحو فاجر وفجرة، فهذه ثمان قراءات بالجمع المنصوب عطفاً على القردة والخنازير مضافاً إلى الطاغوت. وقرىء وعابدي. وقرأ ابن عباس في رواية : وعابدوا. وقرأ عون العقيلي : وعابدوا، وتأولها أبو عمرو على أنها عآبد. وهذان جمعا سلامة أضيفاً إلى الطاغوت، فبالتاء عطفاً على القردة والخنازير، وبالواو عطفاً على من لعنه الله أو على إضمارهم. ويحتمل قراءة عون أن يكون عابد مفرداً اسم جنس. وقرأ أبو عبيدة : وعابد على وزن ضارب مضافاً إلى لفظ الشيطان، بدل الطاغوت. وقرأ الحسن : وعبد الطاغوت على وزن كلب. وقرأ عبد الله في رواية : وعبد على وزن حطم، وهو بناء مبالغة. وقرأ ابن وثاب والأعمش وحمزة : وعبد على وزن يقظ وندس، فهذه أربع قراءات بالمفرد المراد به الجنس أضيفت إلى الطاغوت. وفي القراءة الأخيرة منها خلاف بين العلماء. قال نصير النحوي صاحب
٥١٩
الكسائي وهو وهم ممن قرأ به، وليسأل عنه العلماء حتى نعلم أنه جائز. وقال الفراء : إن يكن لغة مثل حذر وعجل فهو وجه، وإلا فلا يجوز في القراءة. وقال أبو عبيد : إنما معنى العبد عندهم إلا عبد، يريدون خدم الطاغوت، ولم نجد هذا يصح عن أحد من فصحاء العرب أن العبد يقال فيه عبد، وإنما هو عبد وأعبد بالألف. وقال أبو علي : ليس في أبنية المجموع مثله، ولكنه واحد يراد به الكثرة، وهو بناء يراد به المبالغة، فكأن هذا قد ذهب في عبادة الطاغوت. وقال الزمخشري : ومعناه العلو في العبودية كقولهم : رجل حذر فطن للبليغ في الحذر والفطنة. قال الشاعر :
أبني لبيني أن أمكمأمة وإن أباكم عبد
انتهى.


الصفحة التالية
Icon