مما سمعوا من تذكير وموعظة، فعلي هذا الخطاب في جاؤوكم للرسول، وقيل : للمؤمنين الذين كانوا بحضرة الرسول. وهاتان الجملتان حالان، وبالكفر وبه حالان أيضاً أي : ملتبسين. ولذلك دخلت قد تقريباً لها من زمان الحال ولمعنى آخر وهو : أن أمارات النفاق كانت لائحة عليهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلّم متوقعاً لإظهار ما تكتموه، فدخل حرف التوقع وخالف بين جملتي الحال اتساعاً في الكلام. وقال ابن عطية : وقوله : وهم، تخليص من احتمال العبارة أن يدخل قوم بالكفر وهم قد خرجوا به، فأزال الاحتمال قوله تعالى : وهم قد خرجوا به، أي هم بأعيانهم انتهى. والعامل في الحالين آمنا أي : قالوا ذلك وهذه حالهم. وقيل : معنى هم للتأكيد في إضافة الكفر إليهم، ونفى أن يكون من الرسول ما يوجب كفرهم من سوء معاملته لهم، بل كان يلطف بهم ويعاملهم بأحسن معاملة. فالمعنى : أنهم هم الذين خرجوا بالكفر باختيار أنفسهم، لا أنك أنت الذي تسببت لبقائهم في الكفر. والذي نقول : إن الجملة الإسمية الواقعة حالاً المصدرة بضمير ذي الحال المخبر عنها بفعل أو اسم يتحمل ضمير ذي الحال آكد من الجملة الفعلية، من جهة أنه يتكرر فيها المسند إليه فيصير نظير : قام زيد زيد. ولما كانوا حين جاءوا الرسول أو المؤمنين قالوا : آمنا ملتبسين بالكفر، كان ينبغي لهم أن لا يخرجوا بالكفر، لأن رؤيته صلى الله عليه وسلّم كافية في الإيمان. ألا ترى إلى قول بعضهم حين رأى الرسول : علمت أن وجهه ليس بوجه كذاب، مع ما يظهر لهم من خوارق الآيات وباهر الدلالات، فكان المناسب أنهم وإن كانوا دخلوا بالكفر أن لا يخرجوا به، بل يخرجون بالرسول مؤمنين ظاهراً وباطناً. فأكد وصفهم بالكفر بأن. كرر المسند إليه تنهبياً على تحققهم بالكفر وتماديهم عليه، وأنَّ رؤية الرسول م تجد عنهم، ولم يتأثروا لها. وكذلك إن كان ضمير الخطاب في : وإذا جاءوكم قالوا آمنا، كان ينبغي لهم أن يؤمنوا ظاهراً وباطناً لما يرون من اختلاف المؤمنين وتصديقهم للرسول، والاعتماد على الله تعالى والرغبة في الآخرة، والزهد في الدنيا، وهذه حال من ينبغي موافقته. وكان ينبغي إذ شاهدوهم أن يتبعوهم على دينهم، وأن يكون إيمانهم بالقول موافقاً لاعتقاد قلوبهم. وفي الآية دليل على جواز مجيء حالين لذي حال واحد، إن كانت الواو في : وهم، واو حال، لا واو عطف، خلافاً لمن منع ذلك إلا في أفعل التفضيل. والظاهر أنّ الدخول والخروج حقيقة. وقيل : هما استعارة، والمعنى : تقلبوا في الكفر أي دخلوا في أحوالهم مضمرين الكفر وخرجوا به إلى أحوال أخر مضمرين له، وهذا هو التقلب. والحقيقة في الدخول انفصال بالبدن من خارج مكان إلى داخله، وفي الخروج انفصال بالبدن من داخله إلى خارجة.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٥٠٥
﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ﴾ أي من كفرهم ونفاقهم. وقيل من صفة محمد صلى الله عليه وسلّم ونعته وفي هذا مبالغة في إفشاء ما كانوا يكتمونه من المكر بالمسلمين والكيد والعداوة.
﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يُسَـارِعُونَ فِى الاثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَا لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ يحتمل ترى أن تكون بصرية، فيكون يسارعون صفة : وأن تكون علمية، فيكون مفعولاً ثانياً. والمسارعة : الشروع بسرعة. والإثم الكذب. والعدوان الظلم. يدل قوله عن قولهم الإثم على ذلك، وليس حقيقة الإثم الكذب، إذ الإثم هو المتعلق بصاحب المعصية، أو الإثم ما يختص بهم، والعدوان ما يتعدى بهم إلى غيرهم. أو الإثم الكفر، والعدوان الاعتداء. أو الإثم ما كتموه من الإيمان، والعدوان ما يتعدى فيها. وقيل : العدوان تعديهم حدود الله أقوال خمسة. والجمهور على أن السحت هو الرشا، وقيل : هو الربا، وقيل : هو الرشا وسائر مكسبهم الخبيث. وعلق الرؤية بالكثير منهم، لأن بعصهم كان لا يتعاطى ذلك المجموع أو بعضه، وأكثر استعمال المسارعة في الخير فكأن هذه
٥٢١
المعاصي عندهم من قبيل الطاعات، فلذلك يسارعون فيها. والإثم يتناول كل معصية يترتب عليها العقاب، فجرد من ذلك العدوان وأكل السحت، وخصا بالذكر تعظيماً لهاتين المعصيتين وهما : ظلم غيرهم، والمطعم الخبيث الذي ينشأ عنه عدم قبول الأعمال الصالحة. وقرأ أبو حيوة : العِدوان بكسر ضمة العين، وتقدم الكلام في ما بعد بئس في قوله :﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِا﴾.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٥٠٥