حقيقته وليس استعارة، وهو أن العرب كانت تتواعد للقتال، وعلامتهم إيقاد نار على جبل أو ربوة، فيتبادرون والجيش يسري ليلاً فيوقد من مرّ بهم ليلاً النار فيكون إنذاراً، وهذه عادة لنا مع الروم على جزيرة الأندلس، يكون قريباً من ديارهم رئية للمسلمين مستخف في جبل في غار، فإذا خرج الكفار لحرب المسلمين أوقد نار، فإذا رآها رئية آخر قد أعدّ للمسلمين في قريب من ذلك الجبل أوقد ناراً، وهكذا إلى أن يصل الخبر للمسلمين في أقرب زمان، ويعرف ذلك من أي جهة نهر من الكفار، فيعدّ المسلمون للقائهم. وقيل : إذا تراءى الجمعان وتنازل العسكران أوقدوا بالليل ناراً مخافة البيات، فهذا أصل نار الحرب. وقيل : كانوا إذا تحالفوا على الجدّ في حربهم أوقدوا ناراً وتحالفوا، فعلى كون النار حقيقة يكون معنى إطفائها أنه ألقى الله الرعب في قلوبهم فخافوا أن يغشوا في منازلهم فيضعون، فلما تقاعدوا عنهم أطفؤها، وأضاف تعالى الإطفاء إليه إضافة المسبب إلى سببه الأصلي.
وقال الجمهور : هو استعارة، وإيقاد النار عبارة عن إظهار الحقد والكيد والمكر بالمؤمنين والاغتيال والقتال، وإطفاؤها صرف الله عنهم ذلك، وتفرّق آرائهم، وحل عزائمهم، وتفرّق كلمتهم، وإلقاء الرعب في قلوبهم. فهم لا يريدون محاربة أحد إلا غلبوا وقهروا، ولم يقم لهم نصر من الله تعالى على أحد، وقد أتاهم الإسلام وهم في ملك المجوس. وقيل : خالفوا اليهود فبعث الله عليهم بختنصر، ثم أفسدوا فسلط الله عليهم بطريق الرومي، ثم أفسدوا فسلط الله عليهم المجوس، ثم أفسدوا فسلط الله عليهم المسلمين. وقال قوم : هذا مثل ضرب لاجتهادهم في المحاربة، والتهاب شواظ قلوبهم، وغليان صدورهم. ومنه الآن حمى الوطيس للجد في الحرب، وفلان مسعر حرب يهيجها ببسالته، وضرب الإطفاء مثلاً لإرغام أنوفهم وخذلانهم في كل موطن. قال مجاهد : هي تبشير للرسول بأنهم كلما حاربوه نصر عليهم، وإشارة إلى حاضريه من اليهود. وقال السدّي والربيع وغيرهما : هي إخبار عن أسلافهم منذ عصور هدّ الله ملكهم، فلا ترفع لهم راية إلى يوم القيامة، ولا يقاتلون جميعاً إلا في قرى محصنة. وقال قتادة : لا تلقى اليهود ببلدة إلا وجدتهم من أذلّ الناس.
﴿وَيَسْعَوْنَ فِى الارْضِ فَسَادًا﴾ يحتمل أن يريد بالسعي نقل الإقدام أي : لا يكتفون في إظهار الفساد إلا بنقل أقدامهم بعضهم لبعض، فيكون أبلغ في الاجتهاد، والظاهر أنه يراد به العمل. والفعل أي : يجتهدون، في كيد أهل الإسلام ومحوذ ذكر الرسول من كتبهم. والأرض يجوز أن يراد بها الجنس، أو أرض الحجاز، فتكون أل فيه للعهد. قال ابن عباس ومقاتل : فسادهم بالمعاصي. وقال الزجاج : بدفع الإسلام ومحو ذكر الرسول من كتبهم. وقيل : بسفك الدماء واستحلال المحارم. وقيل : بالكفر. وقيل : بالظلم، وكل هذه الأقوال متقاربة.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٥٠٥
﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ ظاهر المفسدين العموم، فيندرج هؤلاء فيهم. وقيل : أل للعهد، وهم هؤلاء. وانتفاء المحبة كناية عن كونه لا يعود عليهم بفضله وإحسانه، فهؤلاء يثيبهم. وإذا لم يثبهم فهو معاقبهم، إذ لا واسطة بين العقاب والثواب.
﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَـابِ ءَامَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّـاَاتِهِمْ وَلادْخَلْنَـاهُمْ جَنَّـاتِ النَّعِيمِ﴾. قيل : المراد أسلافهم، ودخل فيها المعاصرون بالمعنى. والغرض الإخبار عن أولئك الذين أطفأ الله نيرانهم وأذلهم بمعاصيهم، والذي يظهر أنهم معاصرو الرسول
٥٢٦
صلى الله عليه وسلّم، وفي ذلك ترغيب لهم في الدخول في الإسلام. وذكر شيئين وهما : الإيمان، والتقوى. ورتب عليهم شيئين : قابل الإيمان بتكفير السيئات إذ الإسلام يجب ما قبله، وترتب على التقوى وهي امتثال الأوامر واجتناب المناهي دخول جنة النعيم، وإضافة الجنة إلى النعيم تنبيهاً على ما كانوا يستحقونه من العذاب لو لم يؤمنوا ويتقوا. وقيل : واتقوا أي : الكفر بمحمد صلى الله عليه وسلّم، وبعيسى عليه السلام. وقيل : المعاصي التي لعنوا بسببها. وقيل : الشرك. قال الزمخشري : ولو أنهم آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلّم وبما جاء به، وقرنوا إيمانهم بالتقوى التي هي الشريطة في الفوز بالإيمان، لكفرنا عنهم تلك السيئات، فلم نؤاخذهم بها، ولأدخلناهم مع المسلمين الجنة. وفيه إعلام بعظم معاصي اليهود والنصارى وكثرة سيئاتهم، ودلالة على سعة رحمة الله تعالى وفتحه باب التوبة على كل عاص وإن عظمت معاصيه وبلغت مبالغ سيئات اليهود والنصارى، وأن الإيمان لا ينجى ولا يسعد إلا مشفوعاً بالتقوى كما قال الحسن : هذا العمود فأين الأطناب ؟ انتهى كلامه. وفيه من الاعتزال. وقرنوا إيمانهم بالتقوى التي هي الشريطة في الفوز بالإيمان، وقوله : وأن الإيمان لا ينجى ولا يسعد إلا مشفوعاً بالتقوى.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٥٠٥


الصفحة التالية
Icon