﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ أي لا تبال في التبليغ، فإن الله يعصمك فليس لهم تسليط على قتلك لا بمؤامرة، ولا باغتيال، ولا باسيتلاء عليك بأخذ وأسر. قال محمد بن كعب : نزلت بسبب الأعرابي الذي اخترط سيف النبي صلى الله عليه وسلّم ليقتله انتهى، وهو غورث بن الحارث، وذلك في غزوة ذات الرقاع.
وروى المفسرون أنّ أبا طالب كان يرسل رجالاً من بني هاشم يحرسونه حتى نزل قوله : والله يعصمك من الناس، فقال : إن الله قد عصمني من الجن والإنس، فلا أحتاج إلى من يحرسني. وقال ابن جريج : كان يهاب قريشاً فلما نزلت استلقى وقال :﴿مَن شَآءَ﴾. وروى أبو أمامة حديث ركانة من : ولد هاشم مشركاً أفتك الناس وأشدهم، تصارع هو والرسول، فصرعه الرسول صلى الله عليه وسلّم ثلاثاً ودعاه إلى الإسلام، فسأله آية، فدعا الشجرة فأقبلت إليه. وقد انشقت نصفين، ثم سأله ردها إلى موضعها فالتأمت وعادت، فالتمسه أبو بكر وعمر فدلا عليه أنه خرج إلى واد أضم حيث ركانة، فسارا نحوه واجتمعا به، وذكرا أنهما خافا الفتك من ركانة، فأخبرهما خبره معه وضحك، وقرأ والله يعصمك من الناس. وهذا ما قبله يدل على أنّ ذلك نزل بمكة أو في ذات الرقاع، والصحيح أنها نزلت بالمدينة والرسول بها مقيم شهراً، وحرسه سعد وحذيفة، فنام غط، فنزلت، فأخرج إليهما رأسه من قبة أدم وقال :﴿انصَرَفُوا ﴾ وأصل هذا الحديث في صحيح مسلم : وأما شج جبينه وكسر رباعيته يوم أحد فقيل : الآية نزلت بعد أحد، فأما إن كانت قبله فلم تتضمن العصمة هذا الابتلاء ونحوه من أذى الكفار بالقول، بل تضمنت العصمة من القتل والأسر، وأما مثل هذه فيها الابتلاء الذي فيه رفع الدرجات واحتمال كل الأذى دون النفس في ذات الله، وابتلاء الأنبياء أشد، وما أعظم تكليفهم. وأتى بلفظ يعصمك لأن المضارع يدل على الديمومة والاستمرار، والناس عام يراد به الكفار يدل عليه ما بعده. وتضمنت هذه الجملة الإخبار بمغيب ووجد على ما أخبر به، فلم يصل إليه أحد بقتل ولا أسر مع قصداً لا عداء له مغالبة واغتيالاً. وفيه دليل على صحة نبوّته، إذ لا يمكن أن يكون إخباره بذلك إلا من عند الله تعالى، وكذا جميع ما أخبر به.
﴿تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُا وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِا إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِى الْقَوْمَ الْكَـافِرِينَ﴾ أي إنما عليك البلاغ لا الهداية، فمن قضيت عليه بالكفر والموافاة عليه لا يهتدي أبداً، فيكون خاصاً. قال ابن عطية : أما على العموم على أن لا هداية في الكفر، ولا يهدي الله الكافر في سبيل كفره. وقال الزمخشري : ومعناه أنه لا يمكنهم مما يريدون إنزاله، بل من الهلاك انتهى. وهو قول بعضهم لا يعينهم على بلوغ غرضهم منك. وقيل : المعنى لا يهديهم إلى الجنة. والظاهر من الهداية إذا أطلقت ما فسرناها به أولاً.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٥٠٥
﴿لَسْتُمْ عَلَى شَىْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالانجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ﴾ قال رافع بن سلام بن مشكم ومالك بن الصيف ورافع بن
٥٣٠
حريملة : يا محمد ألست تزعم أنك على ملة إبراهيم، وإنك تؤمن بالتوراة ونبوة موسى، وأن ذلك حق ؟ قال :﴿بَلَى وَلَـاكِنَّكُمْ﴾ فقالوا : إنا نأخذ بما في أيدينا فإنه الحق، ولا نصدقك، ولا نتبعك فنزلت. وتقدم الكلام على إقامة التوراة والإنجيل وما أنزل، فأغنى عن إعادته. ونفى أن يكونوا على شيء جعل ما هم عليه عدماً صُرِفاً لفساده وبطلانه فنفاه من أصله، أو لا حظ فيه، صفة محذوفة أي : على شيء يعتد به، فيتوجه النفي إلى الصفة دون الموصوف.
﴿يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُا وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَـانًا وَكُفْرًا ﴾ تقدم تفسير هذه الجملة.
﴿فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَـافِرِينَ﴾ أي لا تحزن عليهم. فأقام الظاهر مقام المضمر تنبيهاً على لعلة الموجبة لعدم التأسف، أو هو عام فيندرجون فيه. وقيل : في قوله :﴿حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ﴾ جمع في الضمير، والمقصود التفصيل أي : حتى يقيم أهل التوراة التوراة، ويقيم أهل الإنجيل الإنجيل، ولا يحتاج إلى ذلك إن أريد ما في الكتابين من التوحيد، فإنّ الشرائع فيه متساوية.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٥٠٥


الصفحة التالية
Icon