﴿أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُا﴾ هذا لطف بهم واستدعاء إلى التنصل من تلك المقالة الشنعاء بعد أن كرّر عليهم الشهادة بالكفر. والفاء في أفلا للعطف، حجزت بين الاستفهام ولا النافية، والتقدير : فألا. وعلى طريقة الزمخشري تكون قد عطفت فعلاً على فعل، كأن التقدير : أيثبتون على الكفر فلا يتوبون، والمعنى على التعجب من انتفاء توبتهم وعدم استغفارهم، وهم أجدر الناس بذلك، لأن كفرهم أقبح الكفر، وأفضح في سوء الاعتقاد، فتعجب من كونهم لا يتوبون من هذا الجرم العظيم. وقال الفراء : هو استهفام معناه الأمر كقوله :﴿فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾. قال : إنما كان بمعنى الأمر، لأنّ المفهوم من الصيغة طلب التوبة والحث عليها، فمعناه : توبوا إلى الله واستغفروه من ذنبكم القولين المستحيلين انتهى. وقال ابن عطية : رفق جل وعلا بهم بتحضيضه إياهم على التوبة وطلب المغفرة انتهى. وما ذكروه من الحث والتحضيض على التوبة من حيث المعنى، لا من حيث مدلول اللفظ، لأن أفلا غير مدلول ألا التي للحض والحث.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٥٠٥
﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ نبه تعالى على هذين
٥٣٦
الوصفين اللذين بهما يحصل قبول التوبة والغفران للحوبة، والمعنى : كيف لا توجد التوبة من هذا الذنب وطلب المغفرة والمسؤول منه ذلك متصف بالغفران التام والرحمة الواسعة لهؤلاء وغيرهم ؟
﴿مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ لما رد على النصارى قولهم الأول بقول المسيح :﴿اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّى وَرَبَّكُمْ﴾ والثاني بقوله :﴿وَمَا مِنْ إِلَـاهٍ إِلا إِلَـاهٌ وَاحِدٌ﴾ أثبت له الرسالة بصورة الحصر، أي ما المسيح ابن مريم شيء مما تدعيه النصارى من كونه إلهاً وكونه أحد آلهة ثلاثة، بل هو رسول من جنس الرسل الذين خلوا وتقدموا، جاء بآيات من عند الله كما جاءوا، فإن أحيا الموتى وأبرأ الأكمه والأبرص على يده، فقد أحيا العصا وجعلها حية تسعى، وفلق البحر، وطمس على يد موسى، وإن خلقه من غير ذكر فقد خلق آدم من غير ذكر وأنثى. وفي قوله : إلا رسول رد على اليهود حيث ادعوا كذبه في دعوى الرسالة، وحيث ادعوا أنه ليس لرشده. وقرأ حطان : من قبله رسل بالتنكير.
﴿وَأُمُّه صِدِّيقَةٌ﴾ هذا البناء من أبنية المبالغة، والأظهر أنه من الثلاثي المجرد، إذ بناء هذا التركيب منه سكيت وسكير، وشريب وطبيخ، من سكت وسكر، وشرب وطبخ. ولا يعمل ما كان مبنياً من الثلاثي المتعدي كما يعمل فعول وفعالومفعال، فلا يقال : زيد شريب الماء، كما تقول : ضراب زيداً، والمعنى : الإخبار عنها بكثرة الصدق. قال ابن عطية : ويحتمل أن يكون من التصديق، وبه سمي أبو بكر الصديق. ولم يذكر الزمخشري غير أنه من التصديق. وهذا القول خلاف الظاهر من هذا البناء. قال الزمخشري : وأمه صديقة أي وما أمه لا كبعض النساء المصدقات للأنبياء المؤمنات بهم، فما منزلتهما إلا منزلة بشرين : أحدهما نبي، والآخر صحابي، فمن أين اشتبه عليكم أمرهما حتى وصفتموهما بما لم يوصف به سائر الأنبياء وصحابتهم ؟ مع أنه لا تميز ولا تفاوت بينهما وبينهم بوجه من الوجوه انتهى. وفيه تحميل لفظ القرآن ما ليس فيه، من ذلك أن قوله : وأمه صديقة ليس فيه إلا الإخبار عنها بصفة كثرة الصدق، وجعله هو من باب الحصر فقال : وما أمه إلا كبعض النساء المصدقات إلى آخره، وهكذا عادته يحمل ألفاظ القرآن ما لا تدل عليه. قال الحسن : صدقت جبريل عليه السلام لما أتاها كما حكى تعالى عنها :﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَـاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ﴾. وقيل : صدقت بآيات ربها، وبما أخبر به ولدها. وقيل : سميت بذلك لمبالغتها في صدق حالها مع الله، وصدقها في براءتها مما رمتها به اليهود. وقيل : وصفها بصديقة لا يدل على أنها نبية، إذ هي رتبة لا تستلزم النبوة. قال تعالى :﴿فَأُوالَئاِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّانَ وَالصِّدِّيقِينَ﴾ ومن ذلك أبو بكر الصديق رضي الله عنه، ولا يلزم من تكليم الملائكة بشراً نبوته فقد كلمت الملائكة قوماً ليسوا بأنبياء لحديث الثلاثة : الأقرع، والأعمى، والأبرص. فكذلك مريم.
جزء : ٣ رقم الصفحة : ٥٠٥