السمعية والبصرية فيكون أخذاً حقيقياً. وقيل : هو أخذ معنوي والمراد إذهاب نور البصر بحيث يحصل العمى، وإذهاب سمع الأذن بحيث يحصل الصمم، وتقدم الكلام على إفراد السمع وجمع الأبصار وعلى الختم على القلوب في أول البقرة فأغنى عن إعادته. ومفعول ﴿أَرَءَيْتُمْ﴾ الأول محذوف والتقدير قل أرأيتم سمعكم وأبصاركم إن أخذها الله، والمفعول الثاني هو الجملة الاستفهامية كما تقول : أرأيتك زيداً ما يصنع وقد قررنا أن ذلك من باب الأعمال أعمل الثاني وحذف من الأول وأوضحنا كيفية ذلك في الآية قبل هذه، والضمير في ﴿بِهِ﴾ أفرده إجراء له مجرى اسم الإشارة كأنه قيل تأتيكم بذلك أو يكون التقدير بما أخذ وختم عليه. وقيل : يعود على السمع بالتصريح وتدخل فيه القلوب والأبصار. وقيل : هو عائد على الهدى الذي يدل عليه المعنى لأن أخذ السمع والبصر والختم على القلوب سبب الضلال وسد لطرق الهداية، و﴿مِنْ إِلَـاهٍ﴾ استفهام معناه توقيفهم على أنه ليس ثم سواه فالتعلق بغيره لا ينفع. قال الحوفي : وحرف الشرط وما اتصل به في موضع نصب على الحال والعامل في الحال ﴿أَرَءَيْتُمْ﴾ كقوله : اضربه إن خرج أي خارجاً، وجواب الشرط ما تقدم مما دخلت عليه همزة الاستفهام ؛ انتهى، وهذا الإعراب تخليط.
﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الايَـاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ﴾ روى أبو قرة المسيي عن نافع به ﴿أَنظُرْ﴾ بضم الهاء وهي قراءة الأعرج، وانظر خطاب للسامع وتصريف الآيات قال مقاتل : نخوفهم بأخذ الأسماع والأبصار والقلوب وبما صنع بالأمم السالفة. وقال ابن فورك : تصريفها مرة تأتي بالنقمة ومرة تأتي بالنعمة ومرة بالترغيب ومرة بالترهيب. وقيل : تتابع لهم الحجج وتضرب لهم الأمثال. وقيل : نوجهها إلى الإنشاء والإفناء والإهلاك. وقيل : الآيات على صحة توحيده وصدق نبيه والصدف والصدوف الإعراض والنفور. قال ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد والسدي :﴿يَصْدِفُونَ﴾ يعرضون ولا يعتبرون. وقرأ بعض القراء كيف نصرف من صرف ثلاثياً.
جزء : ٤ رقم الصفحة : ١١٦
﴿قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ إِنْ أَتَـاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلا الْقَوْمُ الظَّـالِمُونَ﴾ هذا تهديد ثالث فالأول بأحد أمرين : العذاب والساعة، والثاني : بالأخذ والختم، والثالث : بالعذاب فقط. قيل :﴿بَغْتَةً﴾ فجأة لا يتقدم لكم به علم وجهرة تبدو لكم مخايلة ثم ينزل. وقال الحسن :﴿بَغْتَةً﴾ ليلاً وجهرة نهاراً. وقال مجاهد :﴿بَغْتَةً﴾ فجأة آمنين وجهرة وهم ينظرون، ولما كانت البغتة تضمنت معنى الخفية صح مقابلتها للجهرة وبدىء بها لأنها أردع من الجهرة، والجملة من قوله ﴿هَلْ يُهْلَكُ﴾ معناها النفي أي ما يهلك ﴿إِلا الْقَوْمُ الظَّـالِمُونَ﴾ ولذلك دخلت إلا وهي في موضع المفعول الثاني لا رأيتكم والرابط محذوف أي هل يهلك به ؟ والأول من مفعولي ﴿أَرَءَيْتَكُمْ﴾ محذوف من باب الإعمال لما قررناه، ولما كان التهديد شديداً جمع فيه بين أداتي الخطاب والخطاب لكفار قريش والعرب وفي ذكر الظلم تنبيه على علة الإهلاك والمعنى هل يهلك إلا أنتم لظلمكم ؟ وقرأ ابن محيصن :﴿هَلْ يُهْلَكُ﴾ مبنياً للفاعل.
﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ أي ﴿مُبَشِّرِينَ﴾ بالثواب ﴿وَمُنذِرِينَ﴾ بالعقاب وانتصب ﴿مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ على الحال وفيهما معنى العلية، أي أرسلناهم للتبشير والإنذار لا لأن تقترح عليهم الآيات بعد وضوح ما جاؤوا به وتبيين صحته.
﴿فَمَنْ ءَامَنَ وَأَصْلَحَ﴾ أي من صدق بقلبه وأصلح في عمله.
﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِـاَايَـاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ جعل ﴿الْعَذَابَ﴾ ماساً كأنه ذو حياة يفعل
١٣٢
بهم ما شاء من الآلام. وقرأ علقمة : نمسهم العذاب بالنون من أمس وأدغم الأعمش العذاب بما كأبي عمرو. وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش ﴿يَفْسُقُونَ﴾ بكسر السين.
جزء : ٤ رقم الصفحة : ١١٦