غدوة وعشياً فأنكر ذلك ابن المسيب وعبد الرحمن بن أبي عمرة وغيرهما، وقالوا : إلا الآية في الصلوات في الجماعة. وقال أبو جعفر : هي قراءة القرآن وتعلمه. وقال الضحاك : العبادة. وقال ابراهيم في رواية : ذكر الله. وقال الزجاج : دعاء الله تعالى بالتوحيد والإخلاص وعبادته. وقرأ الجمهور ﴿بِالْغَدَواةِ﴾. وقرأ ابن عامر وأبو عبد الرحمن ومالك بن دينار والحسن ونصر بن عاصم وأبو رجاء العطاردي بالغدو. وروي عن أبي عبد الرحمن أيضاً بالغدوّ بغيرها. وقرأ ابن أبي عبلة : بالغدوات والعشيات بالألف فيهما على الجمع، والمشهور في غدوة أنها معرفة بالعلمية ممنوعة الصرف. قال الفرّاء : سمعت أبا الجرّاح يقول : ما رأيت كغدوة قط يريد غداة يومه، قال : ألا ترى أن العرب لا تضيفها فكذا لا تدخلها لألف واللام إنما يقولون : جئتك غداة الخميس ؛ انتهى. وحكى سيبويه والخليل أن بعضهم ينكرها فيقول : رأيته غدوة بالتنوين وعلى هذه اللغة قرأ ابن عامر ومن ذكر معه وتكون إذ ذاك كفينة. حكى أبو زيد : لقيته فينة غير مصروف ولقيته الفينة بعد الفينة أي الحين بعد الحين ولما خفيت هذه اللغة على أبي عبيد أساء الظن بمن قرأ هذه القراءة فقال : إنما نرى ابن عامر والسلمي قرآ تلك القراءة اتباعاً للخط وليس في إثبات الواو في الكتاب دليل على القراءة بها، لأنهم كتبوا الصلاة والزكاة بالواو ولفظهما على تركها وكذلك الغداة على هذا وجدنا العرب ؛ انتهى. وهذا من أبي عبيد جهل بهذه اللغة التي حكاها سيبويه والخليل وقرأ بها هؤلاء الجماعة وكيف يظن بهؤلاء الجماعة القرّاء أنهم إنما قرؤا بها لأنها مكتوبة في المصحف بالواو والقراءة، إنما هي سنة متبعة وأيضاً فابن عامر عربي صريح كان موجوداً قبل أن يوجد اللحن لأنه قرأ القرآن على عثمان بن عفان ونصر بن عاصم أحد العرب الأئمة في النحو، وهو ممن أخذ علم النحو عن أبي الأسود الدؤلي مستنبط علم النحو والحسن البصري من الفصاحة بحيث يستشهد بكلامه فكيف يظن بهؤلاء إنهم لحنوا ؟ انتهى. واغتروا بخط المصحف ولكن أبو عبيدة جهل هذه اللغة وجهل نقل هذه القراءة فتجاسر على ردها عفا الله عنه، والظاهر أن العشي مرادف للعشية ألا ترى قوله :﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِىِّ الصَّـافِنَـاتُ الْجِيَادُ﴾. وقيل : هو جمع عشية ومعنى ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُا﴾ يخلصون نياتهم له في عبادتهم ويعبر عن ذات الشيء وحقيقته بالوجه. وقال ابن عباس : يطلبون ثواب الله والجملة في موضع الحال وقد استدل بقوله :﴿وَجْهَهُا﴾ من أثبت الأعضاء لله تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيراً.
جزء : ٤ رقم الصفحة : ١١٦
﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَىْءٍ﴾ قال الحسن والجمهور : الحساب هنا حساب الأعمال. وقيل : حساب الأرزاق أي لا ترزقهم ولا يرزقونك حكاه الطبري. وقال الزمخشري : كقوله :﴿إِنْ حِسَابُهُمْ إِلا عَلَى رَبِّى ﴾ وذلك أنهم طعنوا في دينهم وإخلاصهم فقال :﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍ﴾ بعد شهادته لهم
١٣٦
بالإخلاص وبإرادة وجه الله تعالى في أعمالهم وإن كان الأمر كما يقولون عند الله، فما يلزمك إلا اعتبار الظاهر والاتسام بسيرة المتقين وإن كان لهم باطن غير مرضي فحسابهم عليهم لازم لهم لا يتعداهم إليك، كما إن حسابك عليك لا يتعداك إليهم كقوله ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴾ ؛ انتهى. ولا يمكن ما ذكره من الترديد في قوله : وإن كان الأمر إلى آخره لأنه تعالى قد أخبر بأنهم ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَواةِ وَالْعَشِىِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُا﴾ وإخبار الله تعالى هو الصدق الذي لا شك فيه فلا يقال فيهم وإن كان الأمر كما يقولون وإن كان لهم باطن غير مرضي لأنه فرض مخالف لما أخبر الله تعالى به من خلوص بواطنهم ونياتهم له تعالى.
جزء : ٤ رقم الصفحة : ١١٦


الصفحة التالية
Icon