﴿وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلا فِى كِتَـابٍ مُّبِينٍ﴾ الرطب واليابس وصفان معروفان والمراد العموم في المتصف بهما، وقد مثل المفسرون ذلك بمثل. فقيل : ما ينبت وما لا ينبت. وقيل : لسان المؤمن ولسان الكافر. وقيل : العين لباكية من خشية الله والعين الجامدة للقسوة، وأما ما حكاخ النقاش عن جعفر الصادق أن الورقة هي السقط من أولاد بني آدم والحبة يراد بها الذي ليس بسقط، والرّطب المراد به الحيّ واليابس يراد به الميت فلا يصح عن جعفر وهو من تفسير الباطنية لعنهم الله. وقال مقاتل في كتاب مبين : هو اللوح المحفوظ. وقال الزجاج : كناية عن علم الله المتيقن وهذا الاستثناء جار مجرى التوكيد لأن قوله : ولا حبة ﴿وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ﴾ معطوف على قوله ﴿مِن وَرَقَةٍ﴾ والاستثناء الأول منسحب عليها كما تقول : ما جاءني من رجل إلا أكرمته ولا امرأة، فالمعنى إلا أكرمتها ولكنه لما طال الكلام أعيد الاستثناء على سبيل التوكيد وحسنه كونه فاصلة رأس آية. وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق وابن السميقع ﴿وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ﴾ بالرفع فيهما والأولى أن يكونا معطوفين على موضع ﴿مِن وَرَقَةٍ﴾ ويحتمل الرفع على الابتداء وخبره ﴿إِلا فِى كِتَـابٍ مُّبِينٍ﴾. ﴿وَهُوَ الَّذِى يَتَوَفَّـاكُم بِالَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُّسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ مناسبة هذه الآية لما قبلها أنه تعالى لما ذكر استثاره بالعلم التام للكليات والجزئيات ذكر استئثاره بالقدرة التامّة تنبيهاً على ما تختص به الإلهية وذكر شيئاً محسوساً قاهراً للأنام وهو التوفي بالليل والبعث بالنهار وكلاهما ليس للإنسان فيه قدرة، بل هو أمر يوقعه الله تعالى بالإنسان والتوفي عبارة في العرف عن الموت وهنا المعنى به النوم على سبيل المجاز للعلاقة التي بينه وبين الموت وهي زوال إحساسه ومعرفته وفكره. ولما كان التوفي المراد به النوم سبباً للراحة أسنده تعالى إليه وما كان بمعنى الموت مؤلماً قال :﴿قُلْ يَتَوَفَّـاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ﴾ ﴿جَآءَتْ رُسُلُنَآ﴾ ﴿نُنَزِّلُ الْمَلَئاِكَةَ﴾، والظاهر أن الخطاب عام لكل سامع. وقال الزمخشري : الخطاب للكفرة وخص الليل بالنوم والبعث بالنهار وإن كان قد ينام بالنهار ويبعث بالليل حملاً على الغالب، ومعنى ﴿جَرَحْتُم﴾ كسبتم ومنه جوارح الطير أي كواسبها واجترحوا السيئات اكتسبوها والمراد منها أعمال الجوارح ومنه قيل للأعضاء جوارح. قال ابن عطية : ويحتمل أن يكون من الجرح كأن الذنب جرح في الدين
١٤٦
والعرب تقول : وجرح اللسان كجرح اليد. وقال مكي : أصل الاجتراح عمل الرجل بجارحة من جوارحه يده أو رجله ثم كثر حتى قيل لكل مكتسب مجترح وجارح، وظاهر قوله :﴿مَا جَرَحْتُم﴾ العموم في المكتسب خيراً كان أو شراً. وقال الزمخشري : ما كسبتم من الآثام ؛ انتهى، وهو قول ابن عباس.
جزء : ٤ رقم الصفحة : ١٤٣
وقال قتادة : ما عملتم. وقال مجاهد : ما كسبتم والبعث هنا هو التنبه من النوم والضمير في ﴿فِيهِ﴾ عائد على ﴿النَّهَارَ﴾ قاله مجاهد وقتادة والسدي، عاد عليه لفظاً والمعنى في يوم آخر كما تقول : عندي درهم ونصفه وقال عبد الله بن كثير يعود على التوفي أي يوقظكم في التوفي أي في خلاله وتضاعيفه. وقيل : يعود على الليل. وقال الزمخشري : ثم يبعثكم من القبور في شأن ذلك الذي قطعتم به أعماركم من النوم بالليل وكسب الآثام بالنهار، ومن أجله، كقولك : فيم دعوتني فتقول : في أمر كذا ؛ انتهى. وحمله على البعث من القبور ينبو عنه قوله :﴿لِيُقْضَى أَجَلٌ مُّسَمًّى ﴾ لأن المعنى والله أعلم أنه تعالى يحييهم في هاتين الحالتين من النوم واليقظة ليستوفوا ما قدر لهم من الآجال والأعمال المكتوبة، وقضاء الأجل فصل مدّة العمر من غيرها ومسمى في علم الله أو في اللوح المحفوظ أو عند تكامل الخلق ونفخ الروح، ففي الصحيح أن الملك يقول عند كمال ذلك. فما الرزق فما الأجل. وقال الزمخشري : هو الأجل الذي سماه وضربه لبعث الموتى وجزائهم على أعمالهم ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ هو المرجع إلى موقف الحساب ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ في ليلكم ونهاركم ؛ انتهى. وقال غيره : كابن جبير : مرجعكم بالموت الحقيقي. ولما ذكر تعالى النوم واليقظة كان ذلك تنبيهاً على الموت والبعث وإن حكمهما بالنسبة إليه تعالى واحد فكما أنام وأيقظ يميت ويحيي. وقرأ طلحة وأبو رجاء ليقضي أجلاً مسمى بني الفعل للفاعل ونصب أجلاً أي ليتم الله آجالهم كقوله :﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الاجَلَ﴾ وفي قراءة الجمهور، ويحتمل أن يكون الفاعل المحذوف ضميره أو ضميرهم.
جزء : ٤ رقم الصفحة : ١٤٣