﴿قُلِ انتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ﴾ أي انتظروا ما تنتظرون ﴿إِنَّا مُنتَظِرُونَ﴾ ما يحل بكم وهو أمر تهديد ووعيد من قال : إنه أمر بالكف عن القتال فهو منسوخ عنده بآية السيف.
﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِى شَىْءٍ إِنَّمَآ أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ لما ذكر تعالى أن صراطه مستقيم ونهى عن اتباع السبل وذكر موسى عليه السلام وما أنزل عليه وذكر القرآن وأمر باتباعه وذكر ما ينتظر الكفار مما هو كائن بهم، انتقل إلى ذكر من اتبع السبل فتفرّقت به عن سبيل الله لينبه المؤمنين على الائتلاف على الدين القويم، ولئلا يختلفوا كما اختلف من قبلهم من الأمم بعد أن كانوا متفقين على الشرائع التي بعث أنبياؤهم بها والذين فرّقوا دينهم الحرورية أو أهل الضلالة من هذه الأمّة أو أصحاب البدع أو الأهواء منهم، وهو قول الأحوص وأمّ سلمة أو اليهود أو هم والنصارى وهو قول ابن عباس والضحاك وقتادة، أي فرّقوا قوادين إبراهيم الحنيف أو هم مشركو العرب أو الكفار وأهل البدع أقوال ستة. وافتراق النصارى إلى ملكية ويعقوبية ونسطورية وتشعبوا إلى اثنين وسبعين فرقة وافتراق اليهود إلى موسوية وهارونية وداودية وسامرية وتشعبوا إلى اثنين وسبعين فرقة، وافتراق هذه الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا من كان على ما عليه الرسول وأصحابه. وقيل : معنى ﴿فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ آمنوا ببعض وكفروا ببعض، وأضاف الدين إليهم من حيث كان ينبغي أن يلتزموه إذ هو دين الله الذي ألزمه العباد فهو دين جميع الناس بهذا الوجه. وقرأ عليّ والأخوان فارقوا هنا وفي الروم بألف ومعناها قريب من قراءة باقي السبعة بالتشديد تقول ضاعف وضعف. وقيل : تركوه وباينوه، ومن فرق دينه فآمن ببعض وكفر ببعض فقد فارق دينه المطلوب منه. وقرأ ابراهيم والأعمش وأبو صالح ﴿فَرَّقُوا ﴾ بتخفيف الراء ﴿وَكَانُوا شِيَعًا ﴾ أي أحزاباً كل منهم تابع لشخص لا يتعداه ﴿لَّسْتَ مِنْهُمْ فِى شَىْءٍ ﴾ أي لست من تفريق دينهم أو من عقابهم أو من قتالهم، أو هو إخبار عن المباينة التامّة والمباعدة كقول النابغة :
جزء : ٤ رقم الصفحة : ٢٥٣
إذا حاولت في أسد فجورافإني لست منك ولست مني
احتمالات أربعة. وقال ابن عطية : أي لا تشفع لهم ولا لهم بك تعلق وهذا على الإطلاق في الكفار وعلى جهة المبالغة في العصاة والمتنطعين في الشرع إذ لهم حظ من تفريق الدين، ولما نفى كونه منهم في شيء حصر مرجع أمرهم من هلاك أو واستقامة إليه تعالى وأخبر أنه مجازيهم بأفعالهم وذلك وعيد شديد لهم. وقال السدّي : هذه آية لم يؤمر فيها بقتال وهي منسوخة بالقتال. قال ابن عطية : وهذا كلام غير متقن فإن الآية خبر لا يدخله نسخ ولكنها تضمنت بالمعنى أمراً بموادعة فيشبه أن يقال : إن
٢٦٠
النسخ وقع في ذلك المعنى الذي قد تقرر في آيات أخر.
﴿مَن جَآءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَه عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَآءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلا مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ روى الخدري وابن عمر أنها نزلت في الأعراب الذين آمنوا بعد الهجرة ضوعفت لهم الحسنة بعشر وضوعف للمهاجرين تسعمائة ذكره ابن عطية. وقال : يحتاج إلى إسناد يقطع العذر ؛ انتهى. ولما ذكر أنه ينبئهم بفعلهم ذكر كيفية المجازاة ولما كان قوله :﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا ﴾ مشعراً بقسيمة ممن ثبت على دينه قسم المجازين إلى جاء بحسنة وجاء بسيئة، وفسرت الحسنة بالإيمان وعشر أمثالها تضعيف أجوره أي ثواب عشر أمثالها في الجنة، وفسرت السيئة بالكفر ومثلها النار وهذا مروي عن الخدري وابن عمر. وقال ابن مسعود ومجاهد والقسم بن أبيّ بزة وغيرهم : الحسنة هنا لا إله إلا الله والسيئة الكفر، والظاهر أن العدد مراد. وقال الماتريدي : ليس على التحديد حتى لا يزاد عليه ولا ينقص منه بل على التعظيم لذلك إذ هذا العدد له خطر عند الناس أو على التمثيل كقوله :﴿كَعَرْضِ السَّمَآءِ وَالارْضِ﴾. وقال :﴿مَن جَآءَ﴾ ولم يقل من عمل ليعلم أن النظر إلى ما ختم به وقبض عليه دون ما وجد منه من العمل فكأنه قال : من ختم له بالحسنة وكذلك السيئة ؛ انتهى. وأنث عشراً وإن كان مضافاً إلى جمع مفرد مثل وهو مذكر رعياً للموصوف المحذوف، إذ مفرده مؤنث والتقدير فله عشر حسنات أمثالها ونظيره في التذكير مررت بثلاثة نسابات راعى الموصوف المحذوف أي بثلاثة رجال نسابات. وقيل : أنث عشراً وإن كان مضافاً إلى ما مفرده مذكر لإضافة أمثال إلى مؤنث وهو ضمير الحسنة كقوله :
جزء : ٤ رقم الصفحة : ٢٥٣


الصفحة التالية
Icon