﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالاغْلَـالَ الَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾. قرأ طلحة ويذهب عنهم إصرهم وتقدم تفسير الإصر في آخر سورة البقرة، وفسره هنا قتادة وابن جبير ومجاهد والضحاك والحسن وغيرهم بالثقل، وقرأ ابن عامر : آصارهم جمع إصر، وقرىء أصرهم بفتح الهمزة وبضمها فمن جمع فباعتبار متعلّقات الإصر إذ هي كثيرة ومن وحد فلأنه اسم جنس، والأغلال مثل لما كلفوا من الأمور الصعبة كقطع موضع النجاسة من الجلد والثوب وإحراق الغنائم والقصاص حتماً من القاتل عمداً كان أو خطأ وترك الاشتغال يوم السبت وتحريم العروق في اللحم وعن عطاء : أنّ بني إسرائيل كانوا إذا قاموا إلى الصلاة لبسوا المسوح وغلوا أيديهم إلى أعناقهم وربما ثقب الرجل ترقوته وجعل فيها طرف السلسلة وأوثقها إلى السارية يحبس نفسه على العبادة، وروي أن موسى عليه السلام رأى يوم السبت رجلاً يحمل قصباً فضرب عنقه وهذا المثل كما قالوا جعلت هذا طوقاً في عنقك وقالوا طوقها طوق الحمامة، وقال الهذلي :
وليس كهذا الدار يا أمّ مالكولكن أحاطب بالرّقاب السلاسل
فصار الفتى كالكهل ليس بقابلسوى العدل شيئاً واستراح العواذل
وليس ثمّ سلاسل وإنما أراد أنّ الإسلام ألزمه أموراً لم يكن ملتزماً لها قبل ذلك كما قال الإيمان قيد الفتك، وقال ابن زيداً الأغلال يريد في قوله غلت أيديهم فمن آمن زالت عنه الدعوة وتغليلها.
جزء : ٤ رقم الصفحة : ٤٠٣
﴿فَالَّذِينَ ءَامَنُوا بِهِا وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِى أُنزِلَ مَعَهُا أُوالَئاِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. وعزّروه أثنوا عليه ومدحوه. قال الزمخشري : منعوه حتى لا يقوى عليه عدوّ، وقرأ الجحدري وقتادة وسليمان التيمي وعيسى بالتخفيف، وقرأ جعفر بن محمد وعزّزوه بزايين والنور القرآن قاله قتادة، وقال ابن عطية : هو كناية عن جملة الشريعة. وقيل مع بمعنى عليه أي الذي أنزل عليه. وقيل هو على حذف مضاف أي أنزل مع نبوته لأن استنباءه كان مصحوباً بالقرآن مشفوعاً به وعلى هذين القولين يكون العامل في الظرف أنزل ويجوز عندي أن كون معه ظرفاً في موضع الحال فالعامل فيه محذوف تقديره أنزل كائناً معه وهي حال مقدّرة كقوله مررت برجل معه صقر صائداً به غدا فحالة الإنزال لم يكن معه لكنه صار معه بعد كما إنّ الصيد لم يكن وقت المرور، وقال الزمخشر : ويجوز أن يعلّق باتبعوا أي واتبعوا القرآن المنزل مع اتباع النبي صلى الله عليه وسلّم والعمل بسنته وبما أمر به أي واتبعوا القرآن كما اتبعه مصاحبين له في اتباعه وفي قوله فالذين آمنوا به إلى آخره إشارة إلى من آمن من أعيان بني إسرائيل بالرسول كعبد الله بن سلام وغيره من أهل الكتابين.
٤٠٤
﴿رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِى لَه مُلْكُ السَّمَـاوَاتِ وَالارْضِا لا إله إِلا هُوَ يُحْىِا وَيُمِيتُ﴾. لما ذكر تعالى لموسى عليه السلام صفة محمد صلى الله عليه وسلّم وأخبر أن من أدركه وآمن به أفلح أمر تعالى نبيه بإشهار دعوته ورسالته إلى الناس كافة والدعاء إلى الإيمان بالله ورسوله وكلماته واتباعه ودعوة رسول الله صلى الله عليه وسلّم عامّة للإنس والجنّ قاله الحسن، وتقتضيه الأحاديث والذي في موضع نصب على المدح أو رفع وأجاز الزمخشري أن يكون مجروراً صفة لله قال وإنْ حيل بين الصفة والموصوف بقوله إليكم، وقال أبو البقاء : ويبعد أن يكون صفةً لله أو بدلاً منه لما فيه من الفصل بينهما بإليكم وبالحال وإليكم متعلّق برسول وجميعاً حال من ضمير إليكم وهذا الوصف يقتضي الإذعان والانقياد لمن أرسله إذ له الملك فهو المتصرف بما يريد وفي حصر الإلهية له نفي الشركة لأن من كان له ملك هذا العالم لا يمكن أن يشركه أحد فهو المختص بالإلهية وذكر الإحياء والإماتة إذ هما وصفان لا يقدر عليهما إلا الله وهما إشارة إلى الإيجاد لكلّ شيء يريده الإعدام والأحسن أن تكون هذه جملاً مستقلة من حيث الإعراب وإن كانت متعلقاً بعضها ببعض من حيث المعنى. وقال الزمخشري : لا إله إلا هو بدل من الصلة التي هي له ملك السموات والأرض وكذلك يحيي ويميت وفي لا إله إلا هو بيان للجملة قبلها لأن من ملك العالم كان هو الإله على الحقيقة وفي يحيي ويميت بيان لاختصاصه بالإلهية لأنه لا يقدر على الإحياء والإماتة غيره انتهى، وإبدال الجمل من الجمل غير المشتركة في عامل لا نعرفه، وقال الحوفي : يحيي ويميت في موضع الخبر لأن لا إله في موضع رفع بالابتداء وإلا هو بدل على الموضع قال : والجملة أيضاً في موضع الحال من اسم الله تعالى انتهى، يعني من ضمير اسم الله وهذا إعراب متكلف.
جزء : ٤ رقم الصفحة : ٤٠٣