﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَـاذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيائَـاتِكُم سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ * فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلا غَيْرَ الَّذِى قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِّنَ السَّمَآءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾ تقدّمت هذه القصة وتفسيرها في البقرة وكأن هذه مختصرة من تلك إلا أنّ هناك وإذ قلنا ادخلوا وإذ قيل لهم اسكنوا وهناك رغداً وسقط هنا وهناك وسنزيد وهنا سنزيد وهناك فأنزلنا على الذين ظلموا وهنا فأرسلنا عليهم وبينهما تغاير في بعض الألفاظ لا تناقض فيه فقوله : وإذ قيل لهم وهناك وإذ قلنا فهنا حذف الفاعل للعلم به وهو الله تعالى، وهناك ادخلوا وهنا اسكنوا السّكنى ضرورة تتعقب الدخول فأمروا هناك بمبدأ الشيء وهنا بما تسبّب عن الدخول وهناك فكلوا بالفاء وهنا بالواو فجاءت الواو على أحد محتملاتها من كون ما بعدها وقع بعدما قبلها، وقيل الدخول حالة مقتضية فحسن ذكر فاء التعقيب بعده والسكنى حالة مستمرة فحسن الأمر بالأكل معه لا عقيبة فحسنت الواو الجامعة للأمرين في الزمن الواحد وهو أحد محاملها ويزعم بعض النحويين أنه أولى بحاملها وأكثر. وقيل ثبت رغداً بعد الأمر بالدخول لأنها حالة قدوم فالأكل فيها ألذ وأتم وهم إليه أحوج بخلاف السكنى فإنها حالة استقرار واطمئنان فليس الأكل فيها ألذّ ولا هم أحوج. وأما
٤٠٨
التقديم والتأخير في وقولوا وادخلوا، فقال الزمخشريّ : سواء قدّموا الحطة على دخول الباب وأخروها فهم جامعون في الإيجاد بينهما انتهى، وقوله سواء قدّموا وأخّروها تركيب غير عربي وإصلاحه سواء أقدموا أم أخروها كما قال تعالى :﴿سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا﴾ ويمكن أن يقال : ناسب تقديم الأمر بدخول الباب سجّداً مع تركيب ادخلوا هذه القرية لأنه فعل دالّ على الخضوع والذلة وحطة قول والفعل أقوى في إظهار الخضوع من القول فناسب أن يذكر مع مبدأ الشيء وهو الدخول ولأنّ قبله ادخلوا فناسب الأمر بالدخول للقرية الأمر بدخول بابها على هيئة الخضوع ولأنّ دخول القرية لا يمكن إلا بدخول بابها فصار باب القرية كأنه بدل من القرية أعيد معه العامل بخلاف الأمر بالسّكنى وأما سنزيد هنا فقال الزمخشري موعد بشيئين بالغفران والزيادة وطرح الواو لا يخلّ بذلك لأنه استئناف مرتب على تقدير قول القائل وماذا بعد الغفران فقيل له : سنزيد المحسنين وزيادة منهم بيان وأرسلنا وأنزلنا ويظلمون ويفسقون من واد واحد، وقرأ الحسن : حطة بالنصب على المصدر أي حطّة ذنوبنا حطة ويجوز أن ينتصب بقولوا : على حذف التقدير وقولوا قولاً حطّة أي ذا حطة فحذف ذا وصار حطّة وصفاً للمصدر المحذوف كما تقول : قلت حسناً وقلت حقّاً أي قولاً حسنا وقولاً حقًّا، وقرأ الكوفيون وابن كثير والحسن والأعمش نغفر بالنون لكم خطيئاتكم جمع سلامة إلا أن الحسن خفّف الهمزة وأدغم الياء فيها، وقرأ أبو عمرو نغفر بالنون لكم خطاياكم على وزن قضاياكم، وقرأ نافع ومحبوب عن أبي عمرو تغفر بالتاء مبنيًّا للمفعول لكم خطيئاتكم جمع سلامة، وقرأ ابن عامر تغفر بتاء مضمومة مبنيًّا للمفعول لكم خطيئتكم على التوحيد مهموزاً. وقرأ ابن هرمز تغفر بتاء مفتوحة على معنى أنّ الحطّة تغفر إذ هي سبب الغفران، قال ابن عطية : وبدل غير اللفظ دون أن يذهب بجميعه وأبدل إذا ذهب به وجاء بلفظ آخر انتهى، وهذه التفرقة ليست بشيء وقد جاء في القراءات بدل وأبدل بمعنى واحد قرىء :
جزء : ٤ رقم الصفحة : ٤٠٣
﴿فَأَرَدْنَآ أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَواةً﴾ و﴿عَسَى رَبُّهُا إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُا أَزْوَاجًا﴾ ﴿عَسَى رَبُّنَآ أَن يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِّنْهَآ﴾ بالتخفيف والتشديد والمعنى واحد وهو إذهاب الشيء والإتيان بغيره بدلاً منه ثم التشديد قد جاء حيث يذهب الشيء كله قال تعالى :﴿فَأُوالَئاِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّـاَاتِهِمْ حَسَنَـاتٍ﴾ و﴿بَدَّلْنَـاهُمْ﴾ ثم ﴿بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ﴾ وعلى هذا كلام العرب نثرها ونظمها.
٤٠٩