الذين جرّبوا الوعظ فيهم فلم يروه يجدي والظاهر أن القائل غير المقول لهم لم تعظون قوماً فيكون ثلاث فرق اعتدوا وفرقة وعظت ونهت وفرقة اعتزلت ولم تنه ولم تعتد وهذه الطائفة غير القائلة للواعظة لم تعظون، وروي أنهم كانوا فرقتين فرقة عصت وفرقة نهت ووعظت وأن جماعة من العاصية قالت للواعظة على سبيل الاستهزاء لم تعظون قوماً قد علمتم أنتم أنّ الله مهلكهم أو معذبهم. قال ابن عطية : والقول الأوّل أصوب ويؤيده الضمائر في قوله معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون فهذه المخاطبة تقتضي مخاطباً انتهى ويعني أنه لو كانت العاصية هي القائلة لقالت الواعظة معذرة إلى ربهم ولعلهم أو بالخطاب معذرة إلى ربكم ولعلكم تتقون ومعنى مهلكهم مخترمهم ومطهّر الأرض منهم أو معذبهم عذاباً شديداً لتماديهم في العصيان ويحتمل أن يكون العذاب في الدنيا ويحتمل أن يكون في الآخرة وإن كانوا ثلاث فرق فالقائلة : إنما قالت ذلك حيث علموا أن الوعظ لا ينفع فيهم لكثرة تكرره عليهم وعدم قبولهم له ويحتمل أن يكونا فرقتين عاصية وطائعة وإنّ الطائعة قال بعضهم لبعض لما رأوا أنّ العاصية لا يجدي فيها الوعظ ولا يؤثر شيئاً : لم تعظون ؟ وقرأ الجمهور معذرة بالرفع أي موعظتنا إقامة عذر إلى الله ولئلا ننسب في النهي عن المنكر إلى بعض التفريط ولطمعنا في أن يتقوا المعاصي، وقرأ زيد بن علي وعاصم في بعض ما روى عنه وعيسى بن عمر وطلحة بن مصرف معذرة بالنصب أي وعظناهم معذرة، قال سيبويه : لو قال رجل لرجل معذرة إلى الله وإليك من كذا لنصب انتهى، ويختار هنا سيبويه الرفع قال لأنهم لم يريدوا أن يعتذروا اعتذاراً مستأنفاً ولكنهم قيل : لهم لم تعظون ؟ قالوا : موعظتنا معذرة، وقال أبو البقاء : من نصب فعلى المفعول له أي وعظنا للمعذرة، وقيل : هو مصدر أي نعتذر معذرة وقالهما الزمخشري.
جزء : ٤ رقم الصفحة : ٤٠٣
﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِا أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّواءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابا بَئِيسا بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ الضمير في نسوا للمنهيين أي تركوا ما ذكرهم به الصالحون وجعل الترك نسياناً مبالغة إذ أقوى أحوال الترك أن ينسى المتروك وما موصولة بمعنى الذي. قال ابن عطية : ويحتمل أن يراد به الذكر نفسه ويحتمل أن يراد به ما كان في الذكر انتهى، ولا يظهر لي هذان الاحتمالان والسوء عام في المعاصي وبحسب القصص يختص هنا بصيد الحوت والذين ظلموا هم العاصون نبّه على العلة في أخذهم وهي الظلم. قال مجاهد : بئيس شديد موجع، وقال الأخفش : مهلك، وقرأ أهل المدينة نافع وأبو جعفر وشيبة وغيرهما بيس على وزن جيد، وابن عامر كذلك إلا أنه همز كبئر ووجهتا على أنه فعل سمّي به كما جاء أنهاكم عن قيل وقال ويحتمل أن يكون وضع وصفاً على وزن فعل كحلف فلا يكون أصله فعلاً، وخرّجه الكسائي على وجه آخر وهو أنّ الأصل بيئس فخفف الهمزة فالتفت ياءآن فحذفت إحداهما وكسر أوله كما يقال رغيف وشهيد، وخرّجه غيره على أن يكون على وزن فعل فكسر أوله اتباعاً ثم حذفت الكسرة كما قالوا فخذ ثم خففوا الهمزة وقرأ الحسن بئيس بهمز وبغير همز عن نافع وأبي بكر مثله إلا أنه بغير همز عن نافع كما تقول بيس الرجل، وضعفها أبو حاتم وقال : لا وجه لها قال لأنه لا يقال مررت برجل بيس حتى يقال بيس الرجل أو بيس رجلاً، قال النحاس : هذا مردود من كلام أبي حاتم حكى النحويون إن فعلت كذا وكذا فبها ونعمت يريدون ونعمت الخصلة والتقدير بيس العذاب، وقرىء بئس على وزن شهد حكاها يعقوب القارىء وعزاها أبو الفضل الرازي إلى عيسى بن عمر وزيد بن علي، وقرأ جرية بن عائد ونصر بن عاصم في رواية بأس على وزن ضرب فعلاً ماضياً وعن الأعمش ومالك بن دينار بأس أصله بأس فسكن الهمزة جعله فعلاً لا يتصرف
٤١٢
وقرأت فرقة باس بفتح الباء وسكون الألف. وقرأ خارجة عن نافع وطلحة بيس على وزن كيل لفظاً وكان أصله فيعل مهموزاً إلا أنه خفّف الهمزة بإبدالها ياء وادغم ثم حذف كميت، وقرأ نصر في رواية مالك بن دينار عنه بأس على وزن جبل وأبو عبد الرحمن بن مصرف بئس على وزن كبد وحذر، وقال أبو عبد الله بن قيس الرقيات :
ليتني ألقى رقية فيخلوة من غير ما بئس
وقرأ ابن عباس وأبو بكر عن عاصم والأعمش بيأس على وزن ضيغم وقال امرؤ القيس بن عابس الكندي :
جزء : ٤ رقم الصفحة : ٤٠٣
كلاهما كان رئيساً بيأسايضرب في يوم الهياج القونسا


الصفحة التالية
Icon