أن تقوم واسم يكون. قال الحوفي : أجلهم وقد اقترب الخبر، وقال الزمخشري وغيره : اسم يكون ضمير الشأن فيكون قد اقترب أجلهم في موضع نصب في موضع خبر يكون وأجلهم فاعل باقترب وما أجازه الحوفي فيه خلاف فإذا قلت كان يقوم زيد فمن النحويين من زعم أنّ زيداً هو الاسم ويقوم في موضع نصب على الخبر ومنهم من منع ذلك ويجعل في ذلك ضمير الشأن والجواز اختيار ابن مالك والمنع اختيار ابن عصفور وقد ذكرنا هذه المسألة مستوفاة التقسيم والدلائل في شرحنا لكتاب التسهيل.
جزء : ٤ رقم الصفحة : ٤١٥
﴿فَبِأَيِّ حَدِيثا بَعْدَه يُؤْمِنُونَ﴾ معنى هذه الجملة وما قبلها توقيفهم وتوبيخهم على أنه لم يقع منهم نظر ولا تدبّر في شيء من ملكوت السموات والأرض ولا في مخلوقات الله تعالى ولا في اقتراب آجالهم ثم قال فبأيّ حديث أو أمر يقع إيمانهم وتصديقهم إذ لم يقع بأمر فيه نجاتهم ودخولهم الجنة ونحوه قول الشاعر :
فعن أي نفس بعد نفسي أقاتل
والمعنى إذا لم أقاتل عن نفسي فكيف أقاتل عن غيرها ولذلك إذا لم يؤمنوا بهذا الحديث الذي هو الصدق المحض وفيه نجاتهم وخلاصهم فكيف يصدقون بحديث غيره والمعنى أنه ليس من طباعهم التصديق بما فيه خلاصهم والضمير في بعده للقرآن أو الرسول وقصته وأمره أو الأجل إذ لا عمل بعد الموت أقوال ثلاثة. قال الزمخشري :(فإن قلت) : بم يتعلق قوله فبأي حديث بعده يؤمنون، (قلت) : بقوله : عسى أن يكون قد اقترب أجلهم كأنه قيل : لعل أجلهم قد اقترب فما لهم لا يبادرون إلى الإيمان بالقرآن قبل الفوت ما ينتظرون بعد وضوح الحق وبأي حديث أحقّ منه يريدون أن يؤمنوا. ﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هَادِيَ لَهُا﴾. نفى نفياً عامًّا أن يكون هاد لمن أضله الله فتضمن اليأس من إيمانهم والمقت بهم. ﴿وَيَذَرُهُمْ فِى طُغْيَـانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾. قرأ الحسن وقتادة وأبو عبد الرحمن وأبو جعفر والأعرج وشيبة والحرميان وابن عامر ونذرهم بالنون ورفع الراء وأبو عمرو وعاصم بالياء ورفع الراء وهو استئناف إخبار قطع الفعل أو أضمر قبله ونحن فيكون جملة اسمية، وقرأ ابن مصرّف والأعمش والأخوان وأبو عمرو فيما ذكر أبو حاتم بالياء والجزم وروى خارجة عن نافع بالنون والجزم وخرج سكون الراء على وجهين أحدهما أنه سكن لتوالي الحركات كقراءة وما يشعركم وينصركم فهو مرفوع والآخر أنه مجزوم عطفاً على محل فلا هادي له فإنه في موضع جزم فصار مثل قوله فهو خير لكم ونكفر في قراءة من قرأ بالجزم في راء ونكفر. ومثل قول الشاعر :
أنّى سلكت فإنني لك كاشحوعلى انتقاصك في الحياة وازدد
جزء : ٤ رقم الصفحة : ٤١٥
﴿يَسْـاَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَـاهَا ﴾ الضمير في يسألونك لقريش قالوا يا محمد إنا قرابتك فأخبرنا بوقت الساعة، وقال ابن عباس : الضمير لليهود، قال حسل بن أبي بشير وشمويل بن زيدان ان
٤٣٣
كنت نبيًّا فأخبرنا بوقت الساعة فإنا نعرفها فإن صدقت آمنا بك فنزلت، ومناسبتها لما قبلها أنه لما ذكر التوحيد والنبوة والقضاء والقدر أتبع ذلك بذكر المعاد وأيضاً فلما تقدّم قوله وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم وكان ذلك باعثاً على المبادرة إلى التوبة أتى بالسؤال عن الساعة ليعلم أنّ وقتها مكتوم عن الخلق فيكون ذلك سبباً للمسارعة إلى التوبة والساعة القيامة موت من كان حينئذ حيًّا وبعث الجميع فيقع عليه اسم الساعة واسم القيامة والساعة من الأسماء الغالبة كالنجم للثريا، وقرأ الجمهور أيّان بفتح الهمزة والسلمي بكسرها حيث وقعت وتقدم أنها لغة قومه سليم ومرساها مصدر أي متى إرساؤها وإثباتها إقرارها والرّسو ثبات الشيء الثقيل ومنه رسا الجبل وأرسيت السفينة والمرسا المكان الذي ترسو فيه، وقال الزمخشري : مرساها إرساؤها أو وقت إرسائها أي إثباتها وإقرارها انتهى، وتقديره أو وقت إرسائها ليس بجيد لأنّ أيان اسم استفهام عن الوقت فلا يصحّ أن يكون خبراً عن الوقت إلا بمجاز لأنه يكون التقدير في أي وقت وقت إرسائها وأيان مرساها مبتدأ وحكى ابن عطية عن المبرّد أن مرساها مرتفع بإضمار فعل ولا حاجة إلى هذا الإضمار وأيان مرساها جملة استفهامية في موضع البدل من الساعة والبدل على نية تكرار العامل وذلك العامل معلق عن العمل لأنّ الجملة فيها استفهام ولما علق الفعل وهو يتعدى بعن صارت الجملة في موضع نصب على إسقاط حرف الجر فهو بدل في الجملة على موضع عن الساعة لأنّ موضع المجرور نصب ونظيره في البدل قولهم عرفت زيداً أبو من هو على أحسن المذاهب في تخريج هذه المسألة أعني في كون الجملة الاستفهامية تكون في موضع البدل.


الصفحة التالية
Icon