﴿قُل لا أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلا مَا شَآءَ اللَّهُ﴾. قال ابن عباس : قال أهل مكة ألا يخبرك ربك بالسعر الرخيص قبل أن يغلو فتشتري وتربح وبالأرض التي تجدب فترحل عنها إلى ما أخصب فنزلت، وقيل لما رجع من غزوة المصطلق جاءت ريح في الطريق فأخبرت بموت رفاعة وكان فيه غيظ المنافقين، ثم قال انظروا أين ناقتي، فقال عبد الله بن أبيّ : ألا تعجبون من هذا الرجل يخبر عن موت رجل بالمدينة ولا يعرف أين ناقته، فقال عليه السلام إن ناساً من المنافقين قالوا كيت وكيت وناقتي في الشعب وقد تعلق زمامها بشجرة فردوها على فنزلت، ووجه مناسبتها لما قبلها ظاهر جداً وهذا منه عليه السلام إظهار للعبودية وانتفاء عن ما يختص بالربوبية من القدرة وعلم الغيب ومبالغة في الاستسلام فلا أملك لنفسي اجتلاب نفع ولا دفع ضر فكيف أملك علم الغيب كما قال في سورة يونس ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هذا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـادِقِينَ * قُل لا أَمْلِكُ لِنَفْسِى ضَرًّا وَلا نَفْعًا إِلا مَا شَآءَ اللَّه لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ﴾ وقدم هنا النفع على الضرّ لأنه تقدم من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فقدّم الهداية على الضلال وبعده لاستكثرت من الخير وما مسّني السوء فناسب تقديم النفع وقدم الضرّ في يونس على الأصل لأن العبادة لله تكون خوفاً من عقابه أولاً ثم طمعاً في ثوابه ولذلك قال ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ فإذا تقدم النفع فلسابقة لفظ تضمنه وأيضاً ففي يونس موافقة ما قبلها ففيها ما لا يضرّهم ولا ينفعهم ما لا ينفعنا ولا يضرّنا لأنه موصول بقوله ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منهاوفي يونس ﴿وَلا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ﴾ وتقدمه ﴿ثُمَّ نُنَجِّى رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءَامَنُوا ﴾ ﴿كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وفي الأنبياء قال﴿أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُكُمْ شَيْـاًا وَلا يَضُرُّكُمْ﴾ وتقدمه قول الكفار لإبراهيم في المحاجّة ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَـؤُلاءِ يَنطِقُونَ﴾ وفي الفرقان ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ﴾ وتقدمه ألم ﴿تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَآءَ لَجَعَلَه سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلا﴾ وهذا النوع من لطائف القرآن العظيم وساطع براهينه والاستثناء متصل أي إلا ما شاء الله من تمكيني منه فإني أملكه وذلك بمشيئة الله، وقال ابن عطية : وهذا الاستثناء منقطع انتهى، ولا حاجة لدعوى الانقطاع مع إمكان الاتصال.
جزء : ٤ رقم الصفحة : ٤٣٥
﴿وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ اسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِىَ السُّواءُ﴾ أي لكانت حالي على خلاف ما هي عليه من استكثار الخير واستغزار المنافع واجتناب السوء والمضارّ حتى لا يمسّني شيء منها وظاهر قوله ولو كنت أعلم الغيب انتفاء العلم عن الغيب على جهة عموم الغيب كما روي عنه لا أعلم ما وراء هذا الجدار إلا أن يعلمنيه ربي بخلاف ما يذهب إليه هؤلاء الذين يدعون الكشف وأنهم بتصفية نفوسهم يحصل لها اطلاع على المغيبات وإخبار بالكوائن التي تحدث، وما أكثر ادعاء الناس لهذا الأمر وخصوصاً في ديار مصر حتى أنهم لينسبون ذلك إلى رجل متضمّخ بالنجاسة يظلّ دهره لا يصلي ولا يستنجي من نجاسته ويكشف عورته للناس حين يبول وهو عار من العلم والعمل الصالح وقد خصص قوم هذا العموم فحكى مكي عن ابن عباس : لو كنت أعلم السنة المجدبة لأعددت لها من المخصبة، وقال قوم : أوقات النصر لتوخيتها، وقال مجاهد وابن جريج : لو كنت أعلم أجلي لاستكثرت من العمل الصالح، وقيل : ولو كنت أعلم وقت الساعة لأخبرتكم حتى توقنوا، وقيل : ولو كنت أعلم الكتب المنزلة لاستكثرت من الوحي، وقيل : ولو كنت أعلم ما يريده الله مني قبل أن يعرفنيه لفعلته، وينبغي أن تجعل هذه الأقوال وما أشبهها مثلاً لا تخصيصات لعموم الغيب والظاهر أن قوله وما مسني السوء معطوف على قوله لاستكثرت من الخير فهو من جواب لو ويوضح ذلك أنه تقدم قوله قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً فقابل النفع بقوله لاستكثرت من الخير وقابل الضرّ بقوله وما مسني السوء ولأنّ المترتب على
٤٣٦


الصفحة التالية
Icon