﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِا لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ﴾ أي من دون الله ويتعيّن عود الضمير في من دونه على الله وبذلك يضعف من فسر ﴿الَّذِى نَزَّلَ الْكِتَـابَ﴾ بجبريل، وهذه الآية بيان لحال الأصنام وعجزها عن نصرة أنفسها فضلاً عن نصرة غيرها وتقدّم قوله ﴿وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلا أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ﴾ قال الواحدي : أعيد هذا المعنى لأنّ الأوّل مذكور على جهة التقريع وهذا مذكور على جهة الفرق بين من تجوز له العبادة وبين من لا تجوز كأنه قيل الإله المعبود يجب أن يكون يتولّى الصالحين وهذه الأصنام ليست كذلك فلا تكون صالحة للإلهية انتهى، ومعنى قوله على جهة التقريع أن قوله : و﴿لا يَسْتَطِيعُونَ﴾ معطوف على قوله ﴿مَا لا يَخْلُقُ﴾ وهو في حيّز الإنكار والتقريع والتوبيخ على إشراكهم من لا يمكن أن يوجد شيئاً ولا ينشئه ولا ينصر نفسه فضلاً عن غيره وهذه الآية كما ذكر جاءت على جهة الفرق ومندرجة تحت الأمر بقوله :﴿قُلِ ادْعُوا ﴾ فهذه الجمل مأمور بقولها وخطاب المشركين بها إذ كانوا يخوفون الرسول عليه السلام بآلهتهم فأمر أن يخاطبهم بهذه الجمل تحقيراً لهم ولأصنامهم وإخباراً لهم بأنّ وليه هو الله فلا مبالاة بهم ولا بأصنامهم.
جزء : ٤ رقم الصفحة : ٤٣٧
﴿وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لا يَتَّبِعُوكُم سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَـامِتُونَ﴾. تناسق الضمائر يقتضي أن الضمير المنصوب في ﴿وَإِن تَدْعُوهُمْ﴾ هو للأصنام ونفي عنهم السماع لأنها جماد لا تحسّ وأثبت لهم النظر على سبيل المجاز بمعنى أنهم صوّروهم ذوي أعين فهم يشبهون من ينظر ومن قلب حدقته للنظر ثم نفى عنهم الإبصار كقوله ﴿لابِيهِ يَـا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِى عَنكَ شَيْـاًا﴾ ومعنى إليك أيها الداعي وأفرد لأنه اقتطع قوله :﴿وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ منم جملة الشرط واستأنف الإخبار عنهم بحالهم السيىء في انتفاء الإبصار كانتفاء السماع، وقيل المعنى في قوله
﴿يَنظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ أي يحاذونك من قولهم المنازل تتناظر إذا كانت متحاذية يقابل بعضها بعضاً وذهب بعض المعتزلة إلى الاحتجاج بهذه الآية على أن العباد ينظرون إلى ربهم ولا يرونه ولا حجة لهم في الآية لأنّ النظر في الأصنام مجاز محض وجعل الضمير للأصنام اختاره الطبري قال : ومعنى الآية تتبيين جمودها وصغر شأنها، قال : وإنما تكرر القول في هذا وترددت الآيات فيه لأنّ أمر الأصنام وتعظيمها كان متمكناً من نفوس العرب في ذلك الزمن ومستولياً على عقولها لطفاً من الله تعالى بهم، وقال مجاهد والحسن والسدّي : الضمير المنصوب ﴿وَإِن تَدْعُوهُمْ﴾ يعود على الكفار ووصفهم بأنهم لا يسمعون ولا يبصرون إذ لم يتحصّل لهم عن الاستماع والنظر فائدة ولا حصلوا منه بطائل وهذا تأويل حسن ويكون إثبات النظر حقيقة لا مجازاً، ويحسّن هذا التأويل الآية بعد هذه إذ في آخرها
﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَـاهِلِينَ﴾ أي الذين
٤٤٧
من شأنهم أن تدعوهم لا يسمعوا وينظرون إليك وهم لا يبصرون فتكون مرتّبة على العلة الموجبة لذلك وهي الجهل.
﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَـاهِلِينَ﴾. هذا خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلّم ويعمّ جميع أمته وهي أمر بجميع مكارم الأخلاق، وقال عبد الله بن الزبير ومجاهد وعروة والجمهور : أي اقبل من الناس في أخلاقهم وأموالهم ومعاشرتهم بما أتى عفواً دون تكلّف ولا تخرّج والعفو ضد الجهد أي لا تطلب منهم ما يشق عليهم حتى لا ينفروا وقد أمر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلّم بقوله :"يسروا ولا تعسروا". وقال حاتم :
جزء : ٤ رقم الصفحة : ٤٣٧
خذي العفو مني تستديمي مودّتيولا تنطقي في سورتي حين أغضب
وقال الآخر :
إذا ما بلغة جاءتك عفوافخذها فالغنى مرعى وشرب
إذا اتفق القليل وفيه سلمفلا ترد الكثير وفيه حرب
وقال الشعبي : سأل الرسول صلى الله عليه وسلّم جبريل عليه السلام عن قوله تعالى :﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾، فأخبره عن الله تعالى أنه يأمرك أن تعفو عمن ظلمك وتعطي من حرمك وتصل من قطعك، وقال ابن عباس والضحاك والسدّي : هي في الأموال قبل فرض الزكاة أمر أن يأخذ ما سهل من أموال الناس أي ما فضل وزاد ثم فرضت الزكاة فنسخت هذه، وتؤخذ طوعاً وكرهاً، وقال مكي عن مجاغهد إن العفو هو الزكاة المفروضة، وقال ابن زيد : الآية جميعها في مداراة الكفار وعدم مؤاخذتهم ثم نسخ ذلك بالقتال انتهى، والذي يظهر القول الأوّل من أنه أمر بمكارم الأخلاق وأن ذلك حكم مستمر في الناس ليس بمنسوخ ويدلّ عليه حديث الحر بن قيس حين أدخل عيينة بن حصن على عمر فكلم عمر كلاماً فيه غلظة فأراد عمر أن يهمّ به فتلا الحر هذه الآية على عمر فقرّرها ووقف عندها.


الصفحة التالية
Icon