فيه معنى ما قاله الكسائي لأنه إن كان تعجبه وإنكاره من حيث خصّص الإنسان والذي قاله الأعشى تشبيه لأنه قال كأنها وإن كان تعجّبه من حيث فسّر بأنه ما طاف حول الإنسان، فطائف الجن يصك أن يقال طاف حول الإنسان وشبه هو الناقة في سرعتها ونشاطها وقطعها الفيافي عجلة بحالتها إذا ألمّ بها أولق من طائف الجنّ، وقال أبو زيد : طاف أقبل وأدبر يطوف طوفاً وطوافاً وأطاف استدار القوم وأتاهم من نواحيهم، وطاف الخيال ألمّ يطيف طيفاً وزعم السهيلي أنه لم يقل اسم فاعل من طاف الخيال قال : لأنه تخيل لا حقيقة وأما فطاف عليها طائف من ربك فلا يقال فيه طيف لأنه اسم فاعل حقيقة انتهى، وقال حسّان :
جزء : ٤ رقم الصفحة : ٤٣٧
جنّيّة أرّقني طيفهاتذهب صبحاً وتُرى في المنام
وقال ابن عباس : هما بمعنى النزع، وقال السدّي : الطيف الجنون، والطائف الغضب، وقال أبو عمرو : هما بمعنى الوسوسة، وقيل : هما بمعنى اللمم والخيال، وقيل : الطيف النخيل، والطائف الشيطان، وقال مجاهد : الطيف الغضب ويسمى الجنون والغضب والوسوسة طيفاً لأنه لمّة من الشيطان، وقال عبد الله بن الزبير والسدّي : إذا زلوا تابوا، وقال مجاهد : إذا همّوا بذنب ذكروا الله فتركوه، وقال ابن جبير : إذا غضب كظم غيظه، وقال مقاتل : إذا أصابه نزغ تذكر وعرف أنها معصية نزع عنها مخافة الله تعالى، وقال أبو روق : ابتهلوا، وقال ابن بحر : عاذوا بذكر الله، وقيل : تفكّروا فأبصروا وهذه كلها أقوال متقاربة وسب عصام بن المصطلق الشامي الحسين بن علي رضي الله عنه سبًّا مبالغاً وأباه إذ كان مبغضاً لأبيه فقال الحسين بن علي : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم خذ العفو وأمر بالعرف إلى قوله فإذا هم مبصرون، ثم قال : خفض عليك أستغفر الله لي ولك ودعا له في حكاية فيها طول ظهر فيها من مكارم أخلاقه وسعة صدره وحوالة الأشياء على القدر ما صيّر عصاما أشد الناس حبا له ولأبيه وذلك باستعماله هذه الآية الكريمة وأخذ بها، ومبصرون هنا من البصيرة لا من البصر، وقرأ ابن الزبير من الشيطان تأملوا وفي مصحف أبي إذا طاف من الشيطان طائف تأملوا فإذا هم مبصرون وينبغي أن يحمل هذا، وقراءة ابن الزبير على أن ذلك من باب التفسير لا على أنه قرآن لمخالفته سواد ما أجمع المسلمون عليه من ألفاظ القرآن.
﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِى الْغَىِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾. الضمير في وإخوانهم عائد على الجاهلين أو على ما دل عليه قوله إن الذين اتقوا وهم غير المتقين لأن الشيء قد يدل على مقابله فيضمر ذلك المقابل لدلالة مقابله عليه وعنى بالإخوان على هذا التقدير الشياطين كأنه قيل : والشياطين الذين هم إخوان الجاهلين أو غير المتقين يمدّون الجاهلين أو غير المتقين في الغيّ فالواو وفي يمدّونهم ضمير الإخوان فيكون الخبر جارياً على من هو له والضمير المجرور والمنصوب للكفار وهذا قول قتادة، وقال ابن عطية : ويحتمل أن يعودا جميعاً على الشياطين ويكون المعنى وإخوان الشياطين في الغيّ بخلاف الأخوة في الله يمدون الشياطين أي بطاعتهم لهم وقبولهم منهم ولا يترتب هذا التأويل على أن يتعلق في الغيّ بالإمداد لأنّ الإنس لا يعودون الشياطين انتهى، ويمكن أن يتعلق في الغيّ على هذا التأويل بقوله يمدّونهم على أن تكون في للسببية أي يمدّونهم بسبب غوايتهم نحو دخلت امرأة النار في هرة أي بسبب هرة، ويحتمل أن يكون في الغيّ حالاً فيتعلق بمحذوف أي كائنين ومستقرين في الغيّ فيبقى في الغيّ في موضعه لا يكون منعلقاً بقوله وإخوانهم وقد جوز ذلك ابن عطية وعندي في ذلك نظر فلو قلت : مطعمك زيد لحماً تريد مطعمك لحماً زيد فتفصل بين المبتدأ ومعموله بالخبر لكان في جواز نظر
٤٥٠
لأنك فصلت بين العامل والمعمول بأجنبي لهما معاً وإن كان ليس أجنبياً لأحدهما الذي هو المبتدأ ويحتمل أن يختلف الضمير فيكون في وإخوانهم عائد على الشياطين الدالّ عليهم الشيطان أو على الشيطان نفسه باعتبار أنه يراد به الجنس نحو قوله : أولياؤهم الطاغوت المعنى الطواغيت ويكون في يمدّونهم عائد على الكفار والواو في يمدّونهم عائدة على الشياطين وإخوان الشياطين يمدّونهم الشياطين ويكون الخبر جرى على غير من هو له، لأن الإمداد مسند إلى الشياطين لا لإخوانهم وهذا نظير قوله :
جزء : ٤ رقم الصفحة : ٤٣٧
قوم إذا الخيل جالوا في كواثيها
وهذا الاحتمال هو قول الجمهور وعليه فسّر الطبري، وقال الزمخشري : هو أوجه لأن إخوانهم في مقابلة الذين اتقوا، وقرأ نافع يمدونهم مضارع أمدّ، وباقي السبعة يمدونهم من مدّ وتقدم الكلام على ذلك في قوله ويمدّهم في طغيانهم يعمهون، وقرأ الجحدري يمادّونهم من مادّ على وزن فاعل، وقرأ الجمهور : لا يقصرون من أقصر أي كفّ. قال الشاعر :
لعمرك ما قلبي إلى أهله بحرولا مقصر يوماً فيأتيني بقر