﴿قَالَ لَه مُوسَى ﴾ في الكلام محذوف تقديره فلما التقيا وتراجعا الكلام وهو الذي ورد في الحديث الصحيح ﴿قَالَ لَه مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ﴾ وفي هذا دليل على التواضع للعالم، وفي هذه القصة دليل على الحث على الرحلة في طلب العلم وعلى حسن التلطف والاستنزال والأدب في طلب العلم. بقوله ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ﴾ وفيه المسافرة مع العالم لاقتباس فوائده، والمعنى هل يخف عليك ويتفق لك وانتصب ﴿رَشَدًا﴾ على أنه مفعول ثان لقوله أو على أنه مصدر في موضع الحال، وذو الحال الضمير في ﴿نَرَاكَ اتَّبَعَكَ﴾.
وقال الزمخشري :﴿عِلْمًا﴾ ذا رشد أرشد به في ديني، قال : فإن قلت : أما دلت حاجته إلى التعلم من آخر في عهده أنه كما قيل موسى بن ميشا لا موسى بن عمران لأن النبيّ يجب أن يكون أعلم أهل زمانه وإمامهم المرجوع إليه في أبواب الدين ؟ قلت : لا غضاضة بالنبيّ في أخذ العلم من نبيّ قبله، وإنما يغض منه أن يأخذ ممن دونه.
وعن سعيد بن جبير أنه قال لابن عباس : إن نوفاً ابن امرأة كعب يزعم أن الخضر ليس بصاحب موسى، وأن موسى هو موسى بن ميشا فقال : كذب عدو الله انتهى.
وقرأ الحسن والزهري وأبو بحرية وابن محيصن وابن مناذر ويعقوب وأبو عبيد واليزيدي ﴿رَشَدًا﴾ بفتحتين وهي قراءة أبي عمرو من السبعة. وقرأ باقي السبعة بضم الراء وإسكان الشين، ونفي الخضر استطاعة الصبر معه على سبيل التأكيد كأنها مما لا يصح ولا يستقيم، وعلل ذلك بأنه يتولى أموراً هي في ظاهرها ينكرها الرجل الصالح فكيف النبيّ فلا يتمالك أن يشمئز لذلك، ويبادر بالإنكار ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ﴾ أي إن صبرك على ما لا خبرة لك به مستبعد، وفيه إبداء عذر له حيث لا يمكنه الصبر لما يرى من منافاة ما هو عليه من شريعته. وانتصب ﴿خُبْرًا﴾ على التمييز أي مما لم يحط به خبرك فهو منقول من الفاعل أو على أنه مصدر على غير الصدر لأن معنى ﴿بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ لم تخبره. وقرأ الحسن وابن هرمز ﴿خُبْرًا﴾ بضم الباء.
جزء : ٦ رقم الصفحة : ١٤٠
﴿قَالَ سَتَجِدُنِى إِن شَآءَ اللَّهُ صَابِرًا﴾ وعده بوجدانه ﴿صَابِرًا﴾ وقرن ذلك بمشيئة الله علماً منه بشدة الأمر وصعوبته، إذ لا يصبر إلاّ على ما ينافي ما هو عليه إذ رآه ﴿وَلا أَعْصِى﴾ يحتمل أن يكون معطوفاً على ﴿صَابِرًا﴾ أي ﴿صَابِرًا﴾ وغير عاص فيكون في موضع نصب عطف الفعل على الاسم إذا كان في معناه كقوله ﴿صَـا فَّـاتٍ وَيَقْبِضْنَ﴾ أي وقابضات، ويجوز أن يكون معطوفاً على ﴿سَتَجِدُنِى ﴾ فلا محل له من الإعراب ولا يكون مقيداً بالمشيئة لفظاً.
وقال القشيري : وعد موسى من نفسه بشيئين : بالصبر وقرنه بالاستثناء بالمشيئة فصبر حين وجد على يدي الخضر فيما كان منه من الفعل، وبأن لا يعصيه فأطلق ولم يقرنه بالاستثناء فعصاه حيث قال له ﴿فَلا تَسْـاَلْنِي﴾ فكان يسأله فما قرن بالاستثناء لم يخالف فيه وما أطلقه وقع فيه الخف انتهى. وهذا منه على تقدير أن يكون ﴿وَلا أَعْصِى﴾ معطوفاًاً على ﴿سَتَجِدُنِى ﴾ فلم يندرج تحت المشيئة.
﴿قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِى﴾ أي إذا رأيت مني شيئاً خفي عليك وجه صحته فأنكرت في نفسك فلا تفاتحني بالسؤال حتى أكون أنا الفاتح عليك، وهذا من أدب المتعلم مع العالم المتبوع. وقرأنا نافع وابن عامر ﴿فَلا تَسْـاَلْنِي﴾ وعن أبي جعفر بفتح السين واللام من غير همز مشددة النون وباقي السبعة بالهمز وسكون اللام وتخفيف النون. قال أبو علي. كلهم بياء في الحالين انتهى. وعن ابن عامر في حذف الياء خلاف غريب.
﴿فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِى السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْـاًا إِمْرًا * قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا * قَالَ لا تُؤَاخِذْنِى بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِى مِنْ أَمْرِى عُسْرًا * فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَـامًا فَقَتَلَه قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةَا بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْـاًا نُّكْرًا * قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا * قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَىْءا بَعْدَهَا فَلا تُصَـاحِبْنِى قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّى عُذْرًا * فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَآ أَتَيَآ أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَآ أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُا قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا * قَالَ هذا فِرَاقُ بَيْنِى وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا﴾.
جزء : ٦ رقم الصفحة : ١٤٠


الصفحة التالية
Icon