﴿يَوْمَـاِذٍ﴾ أي يوم إذ ينسف الله البجال ﴿يَتَّبِعُونَ﴾ أي الخلائق ﴿الدَّاعِىَ﴾ داعي الله إلى المحشر نحو قوله ﴿مُّهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ﴾ وهو إسرافيل يقوم على صخرة بيت المقدس يدعو الناس فيقبلون من كل جهة يضع الصور في فيه، ويقول : أيتها العظام البالية والجلود المتمزقة واللحوم المتفرّقة هلم إلى العرض على الرحمن. وقال محمد بن كعب : يجمعون في ظلمة قد طويت السماء وانتثرت النجوم فينادي مناد فيموتون موته. وقال عليّ بن عيسى ﴿الدَّاعِىَ﴾ هنا الرسول صلى الله عليه وسلّم الذي كان يدعوهم إلى الله فيعوجون على الصراط يميناً وشمالاً ويميلون عنه ميلاً عظيماً، فيومئذ لا ينفعهم اتباعه، والظاهر أن الضمير في ﴿لَهُا﴾ عائد على ﴿الدَّاعِىَ﴾ نفى عنه العوج أي ﴿لا عِوَجَ﴾ لهم عنه بل يأتون مقبلين إليه متبعين لصوته من غير انحراف. وقال الزمخشري : أي لا يعوج له مدعوّ بل يستوون إليه انتهى. وقيل ﴿لا عِوَجَ لَهُا﴾ في موضع وصف لمنعوت محذوف أي اتباعاً ﴿لا عِوَجَ لَهُا﴾ فيكون الضمير في ﴿لَهُا﴾ عائداً على ذلك المصدر المحذوف. وقال ابن عطية يحتمل أن يريد به الإخبار أي لا شك فيه، ولا يخالف وجوده خبره ويحتمل أن يريد لا محيد لأحد عن اتباعه، والمشي نحو صوته والخشوع التطامن والتواضع وهو في الأصوات استعارة بمعنى الخفاء. والاستسرار للرحمن أي لهيبة الرحمن وهو مطلع قدرته. وقيل هو على حذف مضاف أي وخشع أهل الأصوات والهمس الصوت الخفي الخافت، ويحتمل أن يريد بالهمس المسموع تخافتهم بينهم وكلامهم السر، ويحتمل أن يريد صوت الأقدام وأن أصوات النطق ساكنة.
وقال الزمخشري :﴿إِلا هَمْسًا﴾ وهو الركز الخفي ومنه الحروف المهموسة. وقيل : هو من همس الإبل وهو صوت إخفافها إذا مشت، أي لا يسمع إلا خَفْقُ الأقدام ونقلها إلى المحشر انتهى. وعن ابن عباس وعكرمة وابن جبير : الهمس الإقدام، واختاره الفراء والزجاج وعن ابن عباس أيضاً وتحريك الشفاه بغير نطق، وعن مجاهد الكلام الخفي ويؤيد قراءة أُبَيّ فلا ينطقون ﴿إِلا هَمْسًا﴾ وعن أبي عبيدة الصوت الخفي يومئذ بدل من ﴿يَوْمَـاِذٍ يَتَّبِعُونَ﴾ أو يكون التقدير يوم إذ ﴿يَتَّبِعُونَ﴾ ويكون منصوباً بلا تنفع و﴿مِنْ﴾ مفعول بقوله ﴿لا تَنفَعُ﴾ و﴿لَهُا﴾ معناه لأجله وكذا في ورضي له أي لأجله، ويكون من للمشفوع له أو بدل من الشفاعة على حذف مضاف أي إلاّ شفاعة من أذن له أو منصوب على الاستثناء على هذا التقدير، أو استثناء منقطع فنصب على لغة الحجاز، ورفع على لغة تميم، ويكون ﴿مِنْ﴾ في هذه الأوجه للشافع والقول المرضي عن ابن عباس لا إله إلا الله.
جزء : ٦ رقم الصفحة : ٢٧٠
والظاهر أن الضمير في ﴿أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُم﴾ عائد على الخلق المحشورين وهم متبعو الداعي. وقيل : يعود على الملائكة. وقيل : على الناس لا بقيد الحشر والاتباع، وتقدم تفسير هذه الجملة في آية الكرسي في البقرة، والضمير في ﴿بِهِ﴾ عائد على ﴿مَا﴾ أي ﴿وَلا يُحِيطُونَ﴾ بمعلوماته ﴿عِلْمًا﴾ والظاهر عموم ﴿الْوُجُوهَ﴾ أي وجوه الخلائق، وخص ﴿الْوُجُوهَ﴾ لأن آثار الذل إنما تظهر في أول ﴿الْوُجُوهَ﴾. وقال طلق بن حبيب : المراد سجود الناس على الوجوه والآراب السبعة، فإن كان روى أن هذا يكون يوم القيامة فتكون الآية إخباراً عنه، واستقام المعنى وإن كان أراد في الدنيا فليس ذلك بملائم للآيات التي قبلها وبعدها. وقال الزمخشري : المراد بالوجود وجوه العصاة وأنهم إذا عاينوا يوم القيامة الخيبة والشقوة وسوء الحساب صارت وجوههم عانية أي ذليلة خاضعة مثل وجوه العناة وهم الأسارى ونحوه
٢٨٠
﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيائَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَـاِذا بَاسِرَةٌ﴾ و﴿الْقَيُّومُ﴾ تقدم الكلام عليه في البقرة.


الصفحة التالية
Icon