وذلك من قول ابن عباس بمعنى ما قلنا. وإنما اخترنا البيان عن تأويله بأنه بمعنى نَخشع ونذلّ ونستكينُ، دون البيان عنه بأنه بمعنى نرجو ونَخاف- وإن كان الرّجاء والخوف لا يكونان إلا مع ذلة- لأنّ العبودية، عندَ جميع العرب أصلُها الذلّة، وأنها تسمي الطريقَ المذلَّلَ الذي قد وَطِئته الأقدام، وذلّلته السابلة: معبَّدًا. ومن ذلك قولَ طَرَفَة بن العَبْد:
تُبَارِي عِتَاقًا نَاجياتٍ وأَتْبَعت... وَظِيفًا وظيفًا فوق مَوْرٍ مُعَبَّدِ (١)
يعني بالموْر: الطريق. وبالمعبَّد: المذلَّل الموطوء (٢). ومن ذلك قيل للبعير المذلّل بالركوب في الحوائج: معبَّد. ومنه سمي العبْدُ عبدًا لذلّته لمولاه. والشواهد على ذلك -من أشعار العرب وكلامها- أكثرُ من أن تُحصى، وفيما ذكرناه كفاية لمن وُفّق لفهمه إن شاء الله تعالى.
* * *
القول في تأويل قوله :﴿ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾.
قال أبو جعفر: ومعنى قوله:( وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ): وإياك رَبنا نستعين على عبادتنا إيّاك وطاعتنا لك وفي أمورنا كلها -لا أحدًا سواك، إذْ كان من يكفُر بك يَستعين في أمورِه معبودَه الذي يعبُدُه من الأوثان دونَك، ونحن بك نستعين في جميع أمورنا مخلصين لك العبادة.
١٧٢ - كالذي حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد،
(٢) في المخطوطة :"الموطن"، وهو قريب المعنى.