وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
١٧٠٩٤- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قول الله:(ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرمًا ويتربص بكم الدوائر)، قال: هؤلاء المنافقون من الأعراب الذين إنما ينفقون رياءً اتِّقاءَ أن يُغْزَوْا أو يُحارَبوا أو يقاتلوا، ويرون نفقتهم مغرمًا. ألا تراه يقول:(ويتربص بكم الدوائر عليهم دائرة السوء)؟
* * *
واختلفت القرأة في قراءه ذلك.
فقرأ عامة قرأة أهل المدينة والكوفة:(عَلَيهِم دَائِرَةُ السَّوْءِ) بفتح السين، بمعنى النعت لـ "الدائرة"، وإن كانت "الدائرة" مضافة إليه، كقولهم: "هو رجل السَّوْء"، "وامرؤ الصدق"، من كأنه إذا فُتح مصدرٌ من قولهم: "سؤته أسوُءه سَوْءًا ومَساءَةً ومَسَائِيَةً. (١)
* * *
وقرأ ذلك بعض أهل الحجاز وبعض البصريين:(عَلَيهِم دَائِرَةُ السُّوْءِ)، بضم السين، كأنه جعله اسمًا، كما يقال: عليه دائرة البلاء والعذاب. ومن قال: "عليهم دائرة السُّوء" فضم، لم يقل: "هذا رجل السُّوء" بالضم، و"الرجل السُّوء"، (٢) وقال الشاعر: (٣)
وكُنْتُ كَذِئْبِ السَّوْءِ لَمَّا رَأَى دَمًا... بِصَاحِبِه يَوْمًا أحَالَ عَلَى الدَّمِ (٤)
(٢) انظر معاني القرآن للفراء ١ : ٤٥٠.
(٣) هو الفرزدق.
(٤) ديوانه : ٧٤٩، وطبقات فحول الشعراء : ٣٠٦، والحيوان ٥ : ٣١٩، ٦ : ٢٩٨، واللسان (حول)، وغيرها كثير، من أبيات لها خبر طويل. وقوله :" أحال على الدم "، أي : أقبل عليه. والذئبان ربما أقبلا على الرجل إقبالا واحدًا، وهما سواء على عداوته والجزم على أكله، فإذا أدمى أحدهما وثب على صاحبه فمزقه وأكله، وترك الإنسان ( من كلام الجاحظ ). وقد كرر الفرزدق هذا المعنى في قوله :
فَتًى لَيْسَ لابْنِ العَمِّ كالذِّئْبِ، إن رَأَى | بِصَاحِبِهِ يَوْمًا دَمًا فَهْوَ آكِلُهُ |