والتعليم - يشبه أن يكون الكبير في ذاته كبيرا سواء استكبره غيره أم لا وسواء عرف هذه الصفة أحد أو لا وأما العظمة فهي عبارة عن كونه بحيث يستعظمه غيره وإذا كان كذلك كانت الصفة الأولى ذاتية والثانية عرضية والذاتي أعلى وأشرف من العرضي فهذا هو الممكن في هذا المقام والعلم عند الله ومن الأسماء المشعرة بالجسمية والجهة الألفاظ المشتقة من العلو فمنها قوله تعالى ( العلي ) البقرة ٢٥٥ ومنها قوله سبح اسم ربك الأعلى الأعلى ١ ومنها المتعالي ومنها اللفظ المذكور عند الكل على سبيل الإطباق وهو أنهم كلما ذكروه أردفوا ذلك الذكر بقولهم تعالى لقوله تعالى في أول سورة النحل سبحانه وتعالى عما يشركون النحل ١ إذا عرفت هذا فالقائلون بأنه في الجهة والمكان قالوا معنى علوه وتعاليه كونه موجودا في جهة فوق ثم هؤلاء منهم من قال إنه جالس فوق العرش ومنهم من قال إنه مباين للعرش ببعد متناه ومنهم من قال إنه مباين للعرش ببعد غير متناه وكيف كان فإن المشبهة حملوا لفظ العظيم والكبير على الجسمية والمقدار وحملوا لفظ العلي على العلو في المكان والجهة وأما أهل التنزيه والتقديس فإنهم حملوا العظيم والكبير على وجوه لا تفيد الجسمية والمقدار فأحدها أنه عظيم بحسب مدة الوجود وذلك لأنه أزلي أبدي وذلك هو نهاية العظمة والكبرياء في الوجود والبقاء والدوام وثانيها أنه عظيم في العلم والعمل وثالثها أنه عظيم في الرحمة والحكمة ورابعها أنه عظيم في كمال القدرة وأما العلو فأهل التنزيه يحملون هذا اللفظ على كونه منزها عن صفات النقائص والحاجات إذا عرفت هذا فلفظ العظيم والكبير عند المشبهة من أسماء الذات وعند أهل التوحيد من أسماء الصفات وأما لفظ العلي فعند الكل من أسماء الصفات إلا أنه عند المشبهة يفيد الحصول في الحيز الذي هو العلو الأعلى وعند أهل التوحيد يفيد كونه منزها عن كل ما لا يليق بالإلهية فهذا تمام البحث في هذا الباب
الفصل التاسع
في الأسماء الحاصلة لله تعالى من باب الأسماء المضمرة
اعلم أن الأسماء المضمرة ثلاثة أنا وأنت وهو وأعرف الأقسام الثلاثة قولنا أنا لأن هذا اللفظ لفظ يشير به كل أحد إلى نفسه وأعرف المعارف عند كل أحد نفسه وأوسط هذه الأقسام قولنا أنت لأن هذا خطاب للغير بشرط كونه حاضرا فلأجل كونه خطابا للغير يكون دون قوله أنا ولأجل أن الشرط فيه كون ذلك المخاطب حاضرا يكون أعلى من قوله هو فثبت أن أعلى الأقسام هو قوله أنا وأوسطها أنت وأدناها هو وكلمة التوحيد وردت بكل واحدة من هذه الألفاظ أما لفظ أنا فقال في أول سورة النحل أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا النحل ٢ وفي سورة طه إنني أنا الله لا إله إلا أنا طه ١٤ وأما لفظ أنت فقد جاء في قوله فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت الأنبياء ٨٧ وأما لفظ هو فقد جاء كثيرا في القرآن أولها في سورة البقرة في قوله وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم البقرة ١٦٣ وآخرها في سورة المزمل وهو قوله رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا المزمل ٩ وأما ورود هذه الكلمة مقرونا باسم آخر سوى هذه الأربعة فهو الذي حكاه الله تعالى عن فرعون أنه قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل يونس ٩٠ ثم بين الله تعالى أن تلك الكلمة ما قبلت منه إذا عرفت هذا فلنذكر أحكام هذه الأقسام فنقول أما قوله لا إله إلا أنا فهذا الكلام لا يجوز أن يتكلم به أحد إلا الله أو من يذكره على سبيل الحكاية عن الله لأن تلك الكلمة تقتضي إثبات الإلهية لذلك القائل وذلك لا يليق إلا بالله - سبحانه - واعلم أن معرفة هذه الكلمة مشروطة بمعرفة قوله أنا وتلك المعرفة على سبيل التمام والكمال لا تحصل إلا للحق سبحانه وتعالى لأن علم كل أحد بذاته المخصوصة أكمل من علم غيره به لا سيما في حق الحق تعالى فثبت أن قوله لا إله إلا أنا لم يحصل العلم به على سبيل الكمال إلا للحق تعالى وأما الدرجة الثانية وهي قوله لا إله إلا أنت فهذا يصح ذكره من العبد لكن بشرط أن يكون حاضرا لا غائبا لكن هذه الحالة إنما اتفق حصولها ليونس عليه السلام عند غيبته عن جميع حظوظ النفس وهذا تنبيه على أن الإنسان ما لم يصر غائبا عن كل الحظوظ لا يصل إلى مقام المشاهدة وأما الدرجة الثالثة وهي قوله لا إله إلا هو فهذا يصح من الغائبين واعلم أن درجات الحضور مختلفة بالقرب والبعد وكمال التجلي ونقصانه وكل درجة ناقصة من درجات الحضور فهي غيبة بالنسبة إلى الدرجة الكاملة ولما كانت درجات الحضور غير متناهية كانت مراتب الكمالات والنقصانات غير متناهية فكانت درجات الحضور والغيبة غير متناهية فكل من صدق عليه أنه حاضر فباعتبار آخر يصدق عليه أنه غائب وبالعكس وعن هذا قال الشاعر أيا غائبا حاضرا في الفؤاد
سلام على الغائب الحاضر
ويحكى أن الشبلي لما قربت وفاته قال بعض الحاضرين قل لا إله إلا الله فقال كل بيت أنت حاضره
غير محتاج إلى السرج
وجهك المأمول حجتنا
يوم تأتي الناس بالحجج
واعلم أن لفظ هو فيه أسرار عجيبة وأحوال عالية فبعضها يمكن شرحه وتقريره وبيانه وبعضها لا يمكن قال مصنف الكتاب وأنا بتوفيق الله كتبت أسرارا لطيفة إلا أني كلما أقابل تلك الكلمات المكتوبة بما أجده في القلب من البهجة والسعادة عند ذكر كلمة هو أجد المكتوب بالنسبة إلى تلك الأحوال المشاهدة حقيرا فعند هذا عرفت أن لهذه الكلمة تأثيرا عجيبا في القلب لا يصل البيان إليه ولا ينتهي الشرح إليه فلنكتب ما يمكن ذكره فنقول فيه أسرار الأول أن الرجل إذا قال يا هو فكأنه يقول من أنا حتى أعرفك ومن أنا حتى أكون مخاطبا لك وما للتراب ورب الأرباب وأي مناسبة بين المتولد عن النطفة والدم وبين الموصوف بالأزلية والقدم فأنت أعلى من جميع المناسبات وأنت مقدس عن علائق العقول والخيالات فلهذا السبب خاطبه العبد بخطاب الغائبين فقال يا هو والفائدة الثانية أن هذا اللفظ كما دل على إقرار العبد على نفسه بالدناءة والعدم ففيه أيضا دلالة على أنه أقر بأن كل ما سوى الله تعالى فهو محض العدم لأن القائل إذا قال يا هو فلو حصل في الوجود شيئان لكان قولنا هو صالحا لهما جميعا فلا يتعين واحد منهما بسبب قوله هو فلما قال يا هو فقد حكم على