قال والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة النحل ٧٨ والعبد إنما انتقل من العدم إلى الوجود ومن الموت إلى الحياة ومن العجز إلى القدرة ومن الجهل إلى العلم لأجل أن الله تعالى كان قديما أزليا فبقدرته الأزلية وعلمه الأزلي أحدثه ونقله من العدم إلى الوجود فهو إله لهذا المعنى وأما الحال الحاضرة للعبد فحاجته شديدة لأنه كلما كان معدوما كان محتاجا إلى الرب الرحمن الرحيم أما لما دخل في الوجوه انفتحت عليه أبواب الحاجات وحصلت عنده أسباب الضرورات فقال الله تعالى أنا إله لأجل أني أخرجتك من العدم إلى الوجود أما بعد أن أصرت موجودا فقد كثرت حاجاتك إلي فأنا رب رحمن رحيم وأما الحال المستقبلة للعبد فهي حال ما بعد الموت والصفة المتعلقة بتلك الحالة هي قوله مالك يوم الدين فصارت هذه الصفات الخمس من صفات الله تعالى متعلقة بهذه الأحوال الثلاثة للعبد فظهر أن جميع مصالح العبد في الماضي والحاضر والمستقبل لا يتم ولا يكتمل إلا بالله وفضله وإحسانه فلما كان الأمر كذلك وجب أن لا يشتغل العبد بعبادة شيء إلا بعبادة الله تعالى فلا جرم قال العبد إياك نعبد وإياك نستعين على سبيل الحصر الوجه الثالث في دليل هذا الحصر وهو أنه قد دل الدليل القاطع على وجوب كونه تعالى قادرا عالما محسنا جوادا كريما حليما وأما كون غيره كذلك فمشكوك فيه لأنه لا أثر يضاف إلى الطبع والفلك والكواكب والعقل والنفس إلا ويحتمل إضافته إلى قدرة الله تعالى ومع هذا الاحتمال صار ذلك الانتساب مشكوكا فيه فثبت أن العلم بكون الإله تعالى معبودا للخلق أمر يقيني وأما كون غيره معبودا للخلق فهو أمر مشكوك فيه والأخذ باليقين أولى من الأخذ بالشك فوجب طرح المشكوك والأخذ بالمعلوم وعلى هذا لا معبود إلا الله تعالى فلهذا المعنى قال إياك نعبد وإياك نستعين الوجه الرابع أن العبودية ذلة ومهانة إلا أنه كلما كان المولى أشرف وأعلى كانت العبودية به أهنأ وأمرأ ولما كان الله تعالى أشرف الموجودات وأعلاها فكانت عبوديته أولى من عبودية غيره وأيضا قدرة الله تعالى أعلى من قدرة غيره وعلمه أكمل من علم غيره وجوده أفضل من جود غيره فوجب القطع بأن عبوديته أولى من عبودية غيره فلهذا السبب قال إياك نعبد وإياك نستعين الوجه الخامس أن كل ما سوى الواجب لذاته يكون ممكنا لذاته وكل ما كان ممكنا لذاته كان محتاجا فقيرا والمحتاج مشغول بحاجة نفسه فلا يمكنه القيام بدفع الحاجة عن الغير والشيء ما لم يكن في ذاته لم يقدر على دفع الحاجة عن غيره والغني لذاته هو الله تعالى فدافع الحاجات هو الله تعالى فمستحق العبادات هو الله تعالى فلهذا السبب قال إياك نعبد وإياك نستعين الوجه السادس استحقاق العبادة يستدعي قدرة الله تعالى بأن يمسك سماء بلا علاقة وأرضا بلا دعامة ويسير الشمس والقمر ويسكن القطبين ويخرج من السحاب تارة النار وهو البرق وتارة الهواء وهي الريح وتارة الماء وهو المطر وأما في الأرض فتارة يخرج الماء من الحجر وهو ظاهر وتارة يخرج الحجر من الماء وهو الجمد ثم جعل في الأرض أجساما مقيمة لا تسافر وهي الجبال وأجساما مسافرة لا تقيم وهي الأنهار وخسف بقارون فجعل الأرض فوقه ورفع محمدا عليه الصلاة والسلام فجعل قاب قوسين تحته وجعل الماء نارا على قوم فرعون أغرقوا فأدخلوا نارا وجعل النار بردا وسلاما على إبراهيم ورفع موسى فوق الطور وقال له اخلع ( ١ ) كذا في الأصل واللفظ في الآية ١٢ من سورة طه فاخلع نعليك نعليك ورفع الطور على موسى وقومه ورفعنا فوقكم الطور


الصفحة التالية
Icon