وحدوث بدن الإنسان أيضا كذلك وذلك لأن تولد الأعضاء المختلفة الطبائع والصور والأشكال من النطفة المتشابهة الأجزاء لا يمكن إلا إذا قصد الخالق إيجاد تلك الأعضاء على تلك الصور والطبائع فحدوث هذه الأعضاء المختلفة يدل على وجود صانع عالم بالمعلومات قادر على كل المقصودات قصد بحكم رحمته وإحسانه خلق هذه الأعضاء على الوجه المطابق لمصالحنا الموافق لمنافعنا ومتى كان الأمر كذلك كان مستحقا للحمد والثناء فقوله الحمد لله يدل على وجود الصانع وعلى علمه وقدرته ورحمته وكمال حكمته وعلى كونه مستحقا للحمد والثناء والتعظيم فكان قوله الحمد لله دالا على جملة هذه المعاني وأما قوله رب العالمين فهو يدل على أن ذلك الإله واحد وأن كل العالمين ملكه وملكه وليس في العالم إله سواه ولا معبود غيره وأما قوله الرحمن الرحيم فيدل على أن الإله الواحد الذي لا إله سواه موصوف بكمال الرحمة والكرم والفضل والإحسان قبل الموت وعند الموت وبعد الموت وأما قوله مالك يوم الدين فيدل على أن من لوازم حكمته ورحمته أن يحصل بعد هذا اليوم يوم آخر يظهر فيه تمييز المحسن عن المسيء ويظهر فيه الانتصاف للمظلومين من الظالمين ولو لم يحصل هذا البعث والحشر لقدح ذلك في كونه رحمانا رحيما إذا عرفت هذا ظهر أن قوله الحمد لله يدل على وجود الصانع المختار وقوله رب العالمين يدل على وحدانيته وقوله الرحمن الرحيم يدل على رحمته في الدنيا والآخرة وقوله مالك يوم الدين يدل على كمال حكمته ورحمته بسبب خلق الدار الآخرة وإلى ههنا تم ما يحتاج إليه في معرفة الربوبية أما قوله إياك نعبد إلى آخر السورة فهو إشارة إلى الأمور التي لا بد من معرفتها في تقرير العبودية وهي محصورة في نوعين الأعمال التي يأتي بها العبد والآثار المتفرعة على تلك الأعمال التي يأتي بها العبد فلها ركنان أحدهما إتيانه بالعبادة وإليه الإشارة بقوله إياك نعبد والثاني علمه بأن لا يمكنه الإتيان بها إلا بإعانة الله وإليه الإشارة بقوله وإياك نستعين وههنا ينفتح البحر الواسع في الجبر والقدر وأما الآثار المتفرغة على تلك الأعمال فهي حصول الهداية والانكشاف والتجلي وإليه الإشارة بقوله اهدنا الصراط المستقيم ثم إن أهل العالم ثلاث طوائف الطائفة الأولى الكاملون المحقون المخلصون وهم الذين جمعوا بين معرفة الحق لذاته ومعرفة الخير لأجل العمل به وإليهم الإشارة بقوله أنعمت عليهم والطائفة الثانية الذين أخلوا بالأعمال الصالحة وهم الفسقة وإليهم الإشارة بقوله غير المغضوب عليهم والطائفة الثالثة الذين أخلوا بالاعتقادات الصحيحة وهم أهل البدع والكفر وإليهم الإشارة بقوله ولا الضالين إذا عرفت هذا فنقول استكمال النفس الإنسانية بالمعارف والعلوم على قسمين أحدهما أن يحاول تحصيلها بالفكر والنظر والاستدلال والثاني أن تصل إليه محصولات المتقدمين فتستكمل نفسه وقوله اهدنا الصراط المستقيم إشارة إلى القسم الأول وقوله صراط الذين أنعمت عليهم إشارة إلى القسم الثاني ثم في هذا القسم طلب أن يكون اقتداؤه بأنوار عقول الطائفة المحقة الذين جمعوا بين العقائد الصحيحة والأعمال الصائبة وتبرأ من أن يكون اقتداؤه بطائفة الذين أخلوا بالأعمال الصحيحة وهم المغضوب عليهم أو بطائفة الذين أخلوا بالعقائد الصحيحة وهم الضالون وهذا آخر السورة وعند الوقوف على ما لخصناه يظهر أن هذه السورة جامعة لجميع المقامات المعتبرة في معرفة الربوبية ومعرفة العبودية


الصفحة التالية
Icon