وقد دللنا على أن هذه الصلاة أفضل من الصلاة المؤداة بقراءة غير الفاتحة ولا يلزم من الخروج عن العهدة بالعمل الكامل الخروج عن العهدة بالعمل الناقص فعند إقامة الصلاة المشتملة على قراءة غير الفاتحة وجب البقاء في العهدة وتاسعها أن المقصود من الصلاة حصول ذكر القلب لقوله تعالى وأقم الصلاة لذكري طه ١٤ وهذه السورة مع كونها مختصرة جامعة لمقامات الربوبية والعبودية والمقصود من جميع التكاليف حصول هذه المعارف ولهذا السبب جعل الله هذه السورة معادلة لكل القرآن في قوله ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم الحجر ٨٧ فوجب أن لا يقوم غيرها مقامها البتة وعاشرها أن هذا الخبر الذي رويناه يدل على أن عند فقدان الفاتحة لا تحصل الصلاة الفائدة الثالثة أنه قال
إذا قال العبد بسم الله الرحمن الرحيم يقول الله تعالى ذكرني عبدي وفيه أحكام أحدها أنه تعالى قال فاذكروني أذكركم البقرة ١٥٢ فههنا لما أقدم العبد على ذكر الله لا جرم ذكره تعالى في ملأ خير من ملئه وثانيها أن هذا يدل على أن مقام الذكر مقام عال شريف في العبودية لأنه وقع الابتداء به ومما يدل على كماله أنه تعالى أمر بالذكر فقال اذكروني أذكركم البقرة ١٥٢ ثم قال يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا الأحزاب ٤١ ثم قال الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم آل عمران ١٩١ ثم قال إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون الأعراف ٢٠١ فلم يبالغ في تقرير شيء من مقامات العبودية مثل ما بالغ في تقرير مقام الذكر وثالثها أن قوله ذكرني عبدي يدل على أن قولنا الله اسم علم لذاته المخصوصة إذ لو كان اسما مشتقا لكان مفهومه مفهوما كليا ولو كان كذلك لما صارت ذاته المخصوصة المعينة مذكورة بهذا اللفظ فظاهر أن لفظي الرحمن الرحيم لفظان كليان فثبت أن قوله ذكرني عبدي يدل على أن قولنا الله اسم علم أما قوله
وإذا قال الحمد لله يقول الله تعالى حمدني عبدي فهذا يدل على أن مقام الحمد أعلى من مقام الذكر ويدل عليه أن أول كلام ذكر في أول خلق العالم هو الحمد بدليل قول الملائكة قبل خلق آدم ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك البقرة ٣٠ وآخر كلام يذكر بعد فناء العالم هو الحمد أيضا بدليل قوله تعالى في صفة أهل الجنة وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين يونس ١٠ والعقل أيضا يدل عليه لأن الفكر في ذات الله غير ممكن لقوله عليه الصلاة والسلام
تفكروا في الخلق ولا تفكروا في الخالق ولأن الفكر في الشيء مسبوق بسبق تصوره وتصور كنه حقيقة الحق غير ممكن فالفكر فيه غير ممكن فعلى هذا الفكر لا يمكن إلا في أفعاله ومخلوقاته ثم ثبت بالدليل أن الخير مطلوب بالذات والشر بالعرض فكل من تفكر في مخلوقاته ومصنوعاته كان وقوفه على رحمته وفضله وإحسانه أكثر فلا جرم كان اشتغاله بالحمد والشكر أكثر فلهذا قال الحمد لله رب العالمين وعند هذا يقول حمدني عبدي فشهد الحق سبحانه بوقوف العبد بعقله وفكره على وجود فضله وإحسانه في ترتيب العالم الأعلى والعالم الأسفل وعلى أن لسانه صار موافقا لعقله ومطابقا له وإن غرق في بحر الإيمان به والإقرار بكرمه بقلبه ولسانه وعقله وبيانه فما أجل هذه الحالة وأما قوله
وإذا قال الرحمن الرحيم يقول الله عظمني عبدي فلقائل أن يقول إنه لما قال بسم الله الرحمن الرحيم فقد ذكر الرحمن الرحيم وهناك لم يقل الله عظمني عبدي وههنا لما قال الرحمن الرحيم


الصفحة التالية
Icon