وصل المؤمن في معراجه إلى غاية الإكرام - وهي أن جلس بين يدي الله - وجب أن يقرأ الكلمات التي ذكرها محمد عليه السلام فهو أيضا يقرأ التحيات ويصير هذا كالتنبيه على أن هذا المعراج الذي حصل له شعلة من شمس معراج محمد عليه السلام وقطرة من بحره وهو تحقيق قوله فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين - الآية النساء ٦٩ واعلم أن آيات الفاتحة وهي سبع صارت كالروح لهذه الأعمال السبعة وهذه الأعمال السبعة صارت كالروح للمراتب السبعة المذكورة في خلقة الإنسان وهي قوله ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين المؤمنون ١٢ إلى قوله فتبارك الله أحسن الخالقين المؤمنون ١٤ وعند هذا ينكشف أن مراتب الأجساد كثيرة ومراتب الأرواح كثيرة وروح الأرواح ونور الأنوار هو الله تعالى كما قال سبحانه وتعالى وأن إلى ربك المنتهى النجم ٤٢
الفصل الخامس
في الصلاة معراج العارفين
اعلم أنه كان لرسول الله معراجان أحدهما من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى والآخر من الأقصى إلى أعالي ملكوت الله تعالى فهذا ما يتعلق بالظاهر وأما ما يتعلق بعالم الأرواح فله معراجان أحدهما من عالم الشهادة إلى عالم الغيب والثاني من عالم الغيب إلى عالم غيب الغيب وهما بمنزلة قاب قوسين متلاصقين فتخطاهما محمد عليه السلام وهو المراد من قوله تعالى فكان قاب قوسين أو أدنى النجم ٩ وقوله أو أدنى إشارة إلى فنائه في نفسه أما الانتقال من عالم الشهادة إلى عالم الغيب فاعلم أن كل ما يتعلق بالجسم والجسمانيات فهو من عالم الشهادة لأنك تشاهد هذه الأشياء ببصرك فانتقال الروح من عالم الأجساد إلى عالم الأرواح هو السفر من عالم الشهادة إلى عالم الغيب وأما عالم الأرواح فعالم لا نهاية له وذلك لأن آخر مراتب الأرواح هو الأرواح البشرية ثم تترقى في معارج الكمالات ومصاعد السعادات حتى تصل إلى الأرواح المتعلقة بسماء الدنيا ثم تصير أعلى وهي أرواح السماء الثانية وهكذا حتى تصل إلى الأرواح الذين هم سكان درجات الكرسي وهي أيضا متفاوتة في الاستعلاء ثم تصير أعلى وهم الملائكة المشار إليهم بقوله تعالى وترى الملائكة حافين من حول العرش الزمر ٧٥ ثم تصير أعلى وأعظم وهم المشار إليهم بقوله تعالى ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية الحاقة ١٧ وفي عدد الثمانية أسرار لا يجوز ذكرها ههنا ثم تترقى فتنتهي إلى الأرواح المقدسة عن التعلقات بالأجسام وهم الذين طعامهم ذكر الله وشرابهم محبة الله وأنسهم بالثناء على الله ولذتهم في خدمة الله وإليهم الإشارة بقوله ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته وبقوله يسبحون الليل والنهار لا يفترون الأنبياء ٢٠ ثم لهم أيضا درجات متفاوته ومراتب متباعدة والعقول البشرية قاصرة عن الإحاطة بأحوالها والوقوف على شرح صفاتها ولا يزال هذا الترقي والتصاعد حاصلا كما قال تعالى وفوق كل ذي علم عليم يوسف ٧٦ إلى أن ينتهي الأمر إلى نور الأنوار ومسبب الأسباب ومبدأ الكل وينبوع الرحمة ومبدأ الخير وهو الله تعالى فثبت أن عالم الأرواح هو عالم الغيب وحضرة جلال الربوبية هي غيب الغيب ولذلك قال عليه الصلاة والسلام
إن لله سبعين حجابا من النور لو كشفها