بأن قتل النفس الواحدة جار مجرى قتل جميع الناس ولا شك في أن المقصود منه المبالغة في شرح عقاب القتل العمد العدوان والمقصود من شرح هذه المبالغة أن اليهود مع علمهم بهذه المبالغة العظيمة أقدموا على قتل الأنبياء والرسل وذلك يدل على غاية قساوة قلوبهم ونهاية بعدهم عن طاعة الله تعالى ولما كان الغرض من ذكر هذه القصص تسلية الرسول عليه الصلاة والسلام في الواقعة التي ذكرنا أنهم عزموا على الفتك برسول الله ( ﷺ ) وبأكابر أصحابه كان تخصيص بني إسرائيل في هذه القصة بهذه المبالغة العظيمة مناسباً للكلام ومؤكداً للمقصود
المسألة الثانية قرىء ( من أجل ذلك ) بحذف الهمزة وفتح النوق لالقاء حركتها عليها وقرأ أبو جعفر ( من أجل ذلك ) بكسر الهمزة وهي لغة فإذا خفف كسر النون ملقياً لكسر الهمزة عليها
المسألة الثالثة قال القائلون بالقياس دلت الآية على أن أحكام الله تعالى قد تكون معللة بالعلل وذلك لأنه تعالى قال مِنْ أَجْلِ ذالِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِى إِسْراءيلَ كذا وكذا وهذا تصريح بأن كتبة تلك الأحكام معللة بتلك المعاني المشار إليها بقوله مِنْ أَجْلِ ذالِكَ والمعزلة أيضاً قالوا دلت هذه الآية على أن أحكام الله تعالى معللة بمصالح العباد ومتى ثبت ذلك امتنع كونه تعالى خالقاً للكفر والقبائح فيهم مريداً وقوعها منهم لأن خلق القبائح وإرادتها تمنع من كونه تعالى مراعياً للمصالح وذلك يبطل التعليل المذكور في هذه الآية
قال أصحابنا القول بتعليل أحكام الله تعالى محال لوجوه أحدها أن العلة إن كانت قديمة لزم قدم المعلول وإن كانت محدثة وجب تعليلها بعلة أخرى ولزم التسلسل وثانيها لو كان معللاً بعلة فوجود تلك العلة وعدمها بالنسبة إلى الله تعالى إن كان على السوية امتنع كونه علة وإن لم يكن على السوية فأحدهما به أولى وذلك يقتضي كونه مستفيداً تلك الأولوية من ذلك الفعل فيكون ناقصاً لذاته مستكملاً بغيره وهو محال وثالثها أنه قد ثبت توقف الفعل على الوداعي ويمتنع وقوع التسلسل في الدواعي بل يجب انتهاؤها إلى الداعية الأولى التي حدثت في العبد لا من العبد بل من الله وثبت أن عند حدوث الداعية يجب الفعل وعلى هذا التقدير فالكل من الله وهذا يمنع من تعليل أفعال الله تعالى وأحكامه فثبت أن ظاهر هذه الآية من المتشابهات لا من المحاكمات والذي يؤكد ذلك قوله تعالى قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِى الاْرْضِ جَمِيعاً ( المائدة ١٧ ) وذلك نص صريح في أنه يحسن من الله كل شيء ولا يتوقف خلقه وحكمه على رعاية المصالح
المسألة الرابعة قوله أَوْ فَسَادٍ فِى الاْرْضِ قال الزجاج إنه معطوف على قوله نَفْسٌ والتقدير من قتل نفساً بغير نفس أو بغير فساد في الأرض وإنما قال تعالى ذلك لأن القتل يحل لأسباب كثيرة منها القصاص وهو المراد بقوله مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِى الاْرْضِ ومنها الكفر مع الحراب ومنها الكفر بعد الإيمان ومنها قطع الطريق وهو المراد بقوله تعالى بعد هذه الآية إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ( المائدة ٣٣ ) فجمع تعالى كل هذه الوجوه في قوله أَوْ فَسَادٍ فِى الاْرْضِ
المسألة الخامسة قوله فكأنما قتل الناس جميعاً وفيه إشكال وهو أن قتل النفس الواحدة كيف يكون مساوياً لقتل جميع الناس فإن من الممتنع أن يكون الجزء مساوياً للكل وذكر المفسرون بسبب هذا


الصفحة التالية
Icon