قاطع الطريق إنما يمتاز عن السارق بهذا القيد واتفقوا على أن هذه الحالة إذا حصلت في الصحراء كانوا قطاع الطريق فأما لو حصلت في نفس البلدة فقال الشافعي رحمه الله إنه يكون أيضاً ساعياً في الأرض بالفساد ويقام عليه هذا الحد قال وأراهم في المصر إن لم يكونوا أعظم ذنباً فلا أقل من المساواة وقال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله إذا حصل ذلك في المصر فإنه لا يقام عليه الحد وجه قول الشافعي رحمه الله النص والقياس أما النص فعموم قوله تعالى إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِى الاْرْضِ فَسَاداً ومعلوم أنه إذا حصل هذا المعنى في البلد كان لا محالة داخلاً تحت عموم هذا النص وأما القياس فهو أن هذا حد فلا يختلف في المصر وغير المصر كسائر الحدود وجه قول أبي حنيفة رحمه الله أن الداخل في المصر يلحقه الغوث في الغالب فلا يتمكن من المقاتلة فصار في حكم السارق
المسألة الرابعة قوله أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الاْرْضِ للعلماء في لفظ أَوْ في هذه الآية قولان الأول أنها للتخيير وهو قول ابن عباس في رواية علي بن أبي طلحة وقول الحسن وسعيد بن المسيب ومجاهد والمعنى أن الإمام إن شاء قتل وإن شاء صلب وإن شاء قطع الأيدي والأرجل وإن شاء نفى أي واحد من هذه الأقسام شاء فعل وقال ابن عباس في رواية عطاء كلمة أَوْ هاهنا ليست للتخيير بل هي لبيان أن الأحكام تختلف باختلاف الجنايات فمن اقتصر على القتل قتل ومن قتل وأخذ المال قتل وصلب ومن اقتصر على أخذ المال قطع يده ورجله من خلاف ومن أخاف السبل ولم يأخذ المال نفي من الأرض وهذا قول الأكثرين من العلماء وهو مذهب الشافعي رحمه الله والذي يدل على ضعف القول الأول وجهان الأول أنه لو كان المراد من الآية التخيير لوجب أن يمكن الإمام من الاقتصار على النفي ولما أجمعوا على أنه ليس له ذلك علمنا أنه ليس المراد من الآية التخيير والثاني أن هذا المحارب إذا لم يقتل ولم يأخذ المال فقد همّ بالمعصية ولم يفعل وذلك لا يوجب القتل كالعزم على سائر المعاصي فثبت أنه لا يجوز حمل الآية على التخيير فيجب أن يضمر في كل فعل على حدة فعلاً على حدة فصار التقدير أن يقتلوا أن قتلوا أو يصلبوا إن جمعوا بين أخذ المال والقتل أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف إن اقتصروا على أخذ المال أو ينفوا ممن الأرض إن أخافوا السبل والقياس الجلي أيضاً يدل على صحة ما ذكرناه لأن القتل العمد العدوان يوجب القتل فغلظ ذلك في قاطع الطريق وصار القتل حتماً لا يجوز العفو عنه وأخذ المال يتعلق به القطع في غير قاطع الطريق فغلظ ذلك في قاطع الطريق بقطع الطرفين وإن جمعوا بين القتل وبين أخد المال جمع في حقهم بين القتل وبني الصلب لأن بقاءه مصلوباً في ممر الطريق يكون سبباً لاشتهار إيقاع هذه العقوبة فيصير ذلك زاجراً لغيره عن الاقدام على مثل هذه المعصية وأما إن اقتصر على مجرد الإخافة اقتصر الشرع منه على عقوبة خفيفة وهي النفي من الأرض
المسألة الخامسة قال أبو حنيفة رحمه الله إذا قتل وأخذ المال فالإمام مخير فيه بين ثلاثة أشياء أن يقتلهم فقط أو يقتلهم ويقطع أيديهم وأرجلهم قبل القتل أو يقتلهم ويصلبهم وعند الشافعي رحمه الله لا بدّ من الصلب وهو قول أبي يوسف رحمه الله
حجة الشافعي رحمه الله أنه تعالى نص على الصلب كما نص على القتل فلم يجز إسقاط الصلب


الصفحة التالية
Icon