والجواب لا نزاع بيننا وبينكم في أن هذا الحد إنما يكون واقعاً على جهة الخزي والاستخفاف إذا لم تحصل التوبة فأما عند حصول التوبة فإن هذا الحد لا يكون على جهة الخزي والاستخفاف بل يكون على جهة الامتحان فإذا جاز لكم أن تشترطوا هذا الحكم بعدم التوبة لدليل دل على اعتبار هذا الشرط فنحن أيضاً نشرط هذا الحكم بشرط عدم العفو وحينئذ لا يبقى الكلام إلاّ في أنه هل دلّ هذا الدليل على أنه تعالى يعفو عن الفساق أم لا وقد ذكرنا هذه المسألة بالاستقصاء في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى بَلَى مَن كَسَبَ سَيّئَة ً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَائِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ( البقرة ٨١ ) ثم قال تعالى
إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
قال الشافعي رحمه الله تعالى لما شرح ما يجب على هؤلاء المحاربين من الحدود والعقوبات استثنى عنه ما إذا تابوا قبل القدرة عليهم وضبط هذا الكلام أن ما يتعلق من تلك الأحكام بحقوق الله تعالى فإنه يسقط بعد هذه التوبة وما يتعلق منها بحقوق الآدميين فإنه لا يسقط فهؤلاء المحاربون إن قتلوا إنساناً ثم تابوا قبل القدرة علليهم كان ولي الدم على حقه في القصاص والعفو إلا أنه يزول حتم القتل بسبب هذه التوبة وإن أخذ مالاً وجب عليه رده ولم يكن عليه قطع اليد أو الرجل وأما إذا تاب بعد القدرة فظاهر الآية أن التوبة لا تنفعه وتقام الحدود عليه قال الشافعي رحمه الله تعالى ويحتمل أن يسقط كل حد الله بالتوبة لأن ماعزاً لما رجم أظهر توبته فلما تمموا رجمه ذكروا ذلك لرسول الله ( ﷺ ) فقال ( هلا تركتموه ) أو لفظ هذا معناه وذلك يدل على أن التوبة تسقط عن المكلف كل ما يتعلق بحق الله تعالى
يَأأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيهِ الْوَسِيلَة َ وَجَاهِدُواْ فِى سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
وفي الآية مسائل
المسألة الأولى في النظم وجهان الأول اعلم أنا قد بينا أنه تعالى لما أخبر رسوله أن قوماً من اليهود هموا أن يبسطوا أيديهم إلى الرسول وإلى إخوانه من المؤمنين وأصحابه بالغدر والمكر ومنعهم الله تعالى عن مرادهم فعند ذلك شرح للرسول شدة عيتهم على الأنبياء وكمال إصرارهم على إيذائهم وامتد الكلام إلى هذا الموضع فعند هذا رجع الكلام إلى المقصود الأول وقال رَّحِيمٌ يَئَأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَة َ كأنه قيل قد عرفتم كمال جسارة اليهود على المعاصي والذنوب وبعدهم عن الطاعات التي هي الوسائل للعبد إلى الرب فكونوا يا أيها المؤمنون بالضد من ذلك وكونوا متقين عن معاصي الله متوسلين إلى الله بطاعات الله
الوجه الثاني في النظم أنه تعالى حكى عنهم أنهم قالوا نَحْنُ أَبْنَاء اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ( المائدة ١٨ ) أي نحن أبناء أنبياء الله فكان افتخارهم بأعمال آبائهم فقال تعالى يا أيها الذين آمنوا ليكن مفاخرتكم بأعمالكم لا بشرف آبائكم وأسلافكم فاتقوا وابتغوا إليه اللوسيلة والله أعلم