الفراء المبلس الذي انقطع رجاؤه ولذلك قيل للذي سكت عند انقطاع حجته قد أبلس وقال الزجاج المبلس الشديد الحسرة الحزين والابلاس في اللغة يكون بمعنى اليأس من النجاة عند ورود الهلكة ويكون بمعنى انقطاع الحجة ويكون بمعنى الحيرة بما يرد على النفس من البلية وهذه المعاني متقاربة
ثم قال تعالى فقطع دابر القوم الذين ظلموا الدابر التابع للشيء من خلفه كالولد للوالد يقال دبر فلان القوم يدبرهم دبورا ودبرا إذا كان آخرهم قالل أمية بن أبي الصلت فاستؤصلوا بعذاب حص دابرهم
فما استطاعوا له صرفا ولا انتصرا
وقال أبو عبيدة دابر القوم آخرهم الذي يدبرهم وقال الأصمعي الدابر الأصل يقال قطع الله دابره أي أذهب الله أصله وقوله والحمد لله رب العالمين فيه وجوه الأول معناه أنه تعالى حمد نفسه على أن قطع دابرهم واستأصل شأفتهم لأن ذلك كان جاريا مجرى النعمة العظيمة على أولئك الرسل في إزالة شرهم عن أولئك الأنبياء والثاني أنه تعالى لما علم قسوة قلوبهم لزم أن يقال إنه كلما ازدادت مدة حياتهم ازدادت أنواع كفرهم ومعاصيهم فكانوا يستوجبون به مزيد العقاب والعذاب فكان افناؤهم واماتتهم في تلك الحالة موجبا أن يصيروا مستوجبين لتلك الزيادات من العقاب فكان ذلك جاريا مجرى الإنعام عليهم والثالث أن يكون هذا الحمد والثناء إنما حصل على وجود انعام الله عليهم في أن كلفهم وأزال العذر والعلة عنهم ودبرهم بكل الوجوه الممكنة في التدبير الحسن وذلك بأن أخذهم أولا بالبأساء والضراء ثم نقلهم إلا الآلاء والنعماء وأمهلهم وبعث الأنبياء والرسل إليهم فلما لم يزدادوا إلا انهماكا في الغي والكفر افناهم الله وطهر وجه الأرض من شرهم فكان قوله الحمد لله رب العالمين على تلك النعم الكثيرة المتقدمة
قوله تعالى قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم من إله غير الله يأتيكم به انظر كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون
في الآية مسائل
المسألة الأولى اعلم أن المقصود من هذا الكلام ذكر ما يدل على وجود الصانع الحكيم المختار وتقريره أن أشرف أعضاء الإنسان هو السمع والبصر والقلب فالأذن محل القوة السامعة والعين محل القوة الباصرة والقلب محل الحياة والعقل والعلم فلو زالت هذه الصفات عن هذه الأعضاء اختل أمر الإنسان وبطلت مصالحه في الدنيا وفي الدين ومن المعلوم بالضرورة أن القادر على تحصيل هذه القوى فيها


الصفحة التالية
Icon