الكريم من بياض وجوههم وإعطاء الصحائف بأيمانهم وما يلقون فيها من الأحوال السارة فكل ذلك من المبشرات
والقول الرابع إن ذلك عبارة عما بشر الله عباده المتقين في كتابه وعلى ألسنة أنبيائه من جنته وكريم ثوابه ودليله قوله يُبَشّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَة ٍ مّنْهُ وَرِضْوانٍ ( التوبة ٢١ )
واعلم أن لفظ البشارة مشتق من خبر سار يظهر أثره في بشرة الوجه فكل ما كان كذلك دخل في هذه الآية ومجموع الأمور المذكورة مشتركة في هذه الصفة فيكون الكل داخلاً فيه فكل ما يتعلق من هذه الوجوه بالدنيا فهو داخل تحت قوله لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيواة ِ الدُّنْيَا وكل ما يتعلق بالآخرة فهو داخل تحت قوله وَفِي الاْخِرَة ِ ثم إنه تعالى لما ذكر صفة أولياء الله وشرح أحوالهم قال تعالى لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ والمراد أنه لا خلف فيها والكلمة والقول سواء ونظيره قوله مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَى َّ ( ق ٢٩ ) وهذا أحد ما يقوي أن المراد بالبشرى وعد الله بالثواب والكرامة لمن أطاعه بقوله يُبَشّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَة ٍ مّنْهُ وَرِضْوانٍ ثم بين تعالى أن ذالِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وهو كقوله تعالى وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً ( الإنسان ٢٠ ) ثم قال القاضي قوله لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ يدل على أنها قابلة للتبديل وكل ما قبل العدم امتنع أن يكون قديماً ونظير هذا الاستدلال بحصول النسخ على أن حكم الله تعالى لا يكون قديماً وقد سبق الكلام على أمثال هذه الوجوه
وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّة َ للَّهِ جَمِيعاً هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ أَلا إِنَّ للَّهِ مَن فِى السَّمَاوَات وَمَنْ فِى الأرض وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ شُرَكَآءَ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ
اعلم أن القوم لما أوردوا أنواع الشبهات التي حكاها الله تعالى عنهم فيما تقدم من هذه السورة وأجاب الله عنها بالأجوبة التي فسرناها وقررناها عدلوا إلى طريق آخر وهو أنهم هددوه وخوفوه وزعموا أنا أصحاب التبع والمال فنسعى في قهرك وفي إبطال أمرك والله سبحانه أجاب عن هذا الطريق بقوله وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّة َ للَّهِ جَمِيعاً
واعلم أن الإنسان إنما يحزن من وعيد الغير وتهديده ومكره وكيده لو جوز كونه مؤثراً في حاله فإذا علم من جهة علام الغيوب أن ذلك لا يؤثر خرج من أن يكون سبباً لحزنه ثم إنه تعالى كما أزال عن الرسول حزن الآخرة بسبب قوله أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ( يونس ٦٢ ) فكذلك أزال حزن الدنيا بقوله وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّة َ للَّهِ جَمِيعاً فإذا كان الله تعالى هو الذي أرسله إلى الخلق وهو الذي أمره بدعوتهم إلى هذا الدين كان لا محالة ناصراً له ومعيناً ولما ثبت أن العزة والقهر والغلبة ليست إلا له فقد حصل الأمن وزال الخوف