ثم قال تعالى إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ والمعنى أنهم إنما اتبعوا ظنونهم الباطلة وأوهامهم الفاسدة ثم بين أن هذا الظن لا حكم له وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ وذكرنا معنى الخرص في سورة الأنعام عند قوله إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ ( الأنعام ١٦ )
هُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِراً إِنَّ فِى ذالِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ
اعلم أنه تعالى لما ذكر قوله إِنَّ الْعِزَّة َ للَّهِ جَمِيعاً احتج عليه بهذه الآية والمعنى أنه تعالى جعل الليل ليزول التعب والكلال بالسكون فيه وجعل النهار مبصراً أي مضيئاً لتهتدوا به في حوائجكم بالأبصار والمبصر الذي يبصر والنهار يبصر فيه وإنما جعله مبصراً على طريق نقل الاسم من السبب إلى المسبب
فإن قيل إن قوله هُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ يدل على أنه تعالى ما خلقه إلا لهذا الوجه وقوله إِنَّ فِى ذالِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ يدل على أنه تعالى أراد بتخليق الليل والنهار أنواعاً كثيرة من الدلائل
قلنا إن قوله تعالى لّتَسْكُنُواْ لا يدل على أنه لا حكمة فيه إلا ذلك بل ذلك يقتضي حصول تلك الحكمة
أما قوله تعالى إِنَّ فِى ذالِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ فالمراد يتدبرون ما يسمعون ويعتبرون به
قَالُواْ اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِى السَّمَاوَات وَمَا فِى الأرض إِنْ عِندَكُمْ مِّن سُلْطَانٍ بِهَاذَآ أَتقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ
اعلم أن هذا نوع آخر من الأباطيل التي حكاها الله تعالى عن الكفار وهي قولهم اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا ويحتمل أن يكون المراد حكاية قول من يقول الملائكة بنات الله ويحتمل أن يكون المراد قول من يقول الأوثان أولاد الله ويحتمل أن يكون قد كان فيهم قوم من النصارى قالوا ذلك ثم إنه تعالى لما استنكر هذا القول قال بعده هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الاْرْضِ
واعلم أن كونه تعالى غنياً مالكاً لكل ما في السموات والأرض يدل على أنه يستحيل أن يكون له ولد وبيان ذلك من وجوه الأول أنه سبحانه غني مطلقاً على ما في هذه الآية والعقل أيضاً يدل عليه لأنه لو كان محتاجاً لافتقر إلى صانع آخر وهو محال وكل من كان غنياً فإنه لا بد أن يكون فرداً منزهاً عن الأجزاء


الصفحة التالية
Icon