وأما المطلوب الثاني في هذا الدعاء فهو قوله تعالى وَنَجّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ
واعلم أن هذا الترتيب يدل على أنه كان اهتمام هؤلاء بأمر دينهم فوق اهتمامهم بأمر دنياهم وذلك لأنا إن حملنا قولهم رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَة ً لّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ على أنهم إن سلطوا على المسلمين صار ذلك شبهة لهم في أن هذا الدين باطل فتضرعوا إلي تعالى في أن يصون أولئك الكفار عن هذه الشبهة وقدموا هذا الدعاء على طلب النجاة لأنفسهم وذلك يدل على أن عنايتهم بمصالح دين أعدائهم فوق عنايتهم بمصالح أنفسهم وإن حملناه على أن لا يمكن الله تعالى أولئك الكفار من أن يحملوهم على ترك هذا الدين كان ذلك أيضاً دليلاً على أن اهتمامهم بمصالح أديانهم فوق اهتمامهم بمصالح أبدانهم وعلى جميع التقديرات فهذه لطيفة شريفة
وَأَوْحَيْنَآ إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَة ً وَأَقِيمُواْ الصَّلَواة َ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ
اعلم أنه لما شرح خوف المؤمنين من الكافرين وما ظهر منهم من التوكل على الله تعالى أتبعه بأن أمر موسى وهرون باتخاذ المساجد والإقبال على الصلوات يقال تبوأ المكان أي اتخذه مبوأ كقوله توطنه إذا اتخذه موطناً والمعنى اجعلا بمصر بيوتاً لقومكما ومرجعاً ترجعون إليه للعبادة والصلاة
ثم قال وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَة ً وفيه أبحاث
البحث الأول من الناس من قال المراد من البيوت المساجد كما في قوله تعالى فِى بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ بَعْدِى اسْمُهُ ( النور ٣٦ ) ومنهم من قال المراد مطلق البيوت أما الأولون فقد فسروا القبلة بالجانب الذي يستقبل في الصلاة ثم قالوا والمراد من قوله وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَة ً أي اجعلوا بيوتكم مساجد تستقبلونها لأجل الصلاة وقال الفراء واجعلوا بيوتكم قبلة أي إلى القبلة وقال ابن الأنباري واجعلوا بيوتكم قبلة أي قبلاً يعني مساجد فأطلق لفظ الوحدان والمراد الجمع واختلفوا في أن هذه القبلة أين كانت فظاهر أن لفظ القرآن لا يدل على تعيينه إلا أنه نقل عن ابن عباس أنه قال كانت الكعبة قبلة موسى عليه السلام وكان الحسن يقول الكعبة قبلة كل الأنبياء وإنما وقع العدول عنها بأمر الله تعالى في أيام الرسول عليه السلام بعد الهجرة وقال آخرون كانت تلك القبلة جهة بيت المقدس وأما القائلون بأن المراد من لفظ البيوت المذكورة في هذه الآية مطلق البيت فهؤلاء لهم في تفسير قوله قِبْلَة َ وجهان الأول المراد بجعل تلك البيوت قبلة أي متقابلة والمقصود منه حصول الجمعية واعتضاد البعض بالبضع وقال آخرون المراد واجعلوا دوركم قبلة أي صلوا في بيوتكم


الصفحة التالية
Icon