القيد الثاني قوله وَلَاكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِى يَتَوَفَّاكُمْ والمقصود أنه لما بين أنه يجب ترك عبادة غير الله بين أنه يجب الاشتغال بعبادة الله
فإن قيل ما الحكمة في ذكر المعبود الحق في هذا المقام بهذه الصفة وهي قوله الَّذِى يَتَوَفَّاكُم
قلنا فيه وجوه الأول يحتمل أن يكون المراد أني أعبد الله الذي خلقكم أولاً ثم يتوفاكم ثانياً ثم يعيدكم ثالثاً وهذه المراتب الثلاثة قد قررناها في القرآن مراراً وأطواراً فههنا اكتفى بذكر التوفي منها لكونه منبهاً على البواقي الثاني أن الموت أشد الأشياء مهابة فنخص هذا الوصف بالذكر في هذا المقام ليكون أقوى في الزجر والردع الثالث أنهم لما استعجلوا نزول العذاب قال تعالى فَهَلْ يَنتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُواْ إِنَّى مَعَكُمْ مّنَ الْمُنْتَظِرِينَ ثُمَّ نُنَجّى رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءامَنُواْ ( يونس ١٠٢ ١٠٣ ) فهذه الآية تدل على أنه تعالى يهلك أولئك الكفار ويبقي المؤمنين ويقوي دولتهم فلما كان قريب العهد بذكر هذا الكلام لا جرم قال ههنا وَلَاكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِى يَتَوَفَّاكُمْ وهو إشارة إلى ما قرره وبينه في تلك الآية كأنه يقول أعبد ذلك الذي وعدني بإهلاكهم وبإبقائي
والقيد الثالث من الأمور المذكورة في هذه الآية قوله وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ واعلم أنه لما ذكر العبادة وهي من جنس أعمال الجوارح انتقل منها إلى الإيمان والمعرفة وهذا يدل على أنه ما لم يصر الظاهر مزيناً بالأعمال الصالحة فإنه لا يحصل في القلب نور الإيمان والمعرفة
والقيد الرابع قوله وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينِ حَنِيفًا وفيه مسائل
المسألة الأولى الواو في قوله وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ حرف عطف وفي المعطوف عليه وجهان الأول أن قوله وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ قائم مقام قوله وقيل لي كن من المؤمنين ثم عطف عليه وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ الثاني أن قوله وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ قائم مقام قوله وَأُمِرْتُ بإقامة الوجه فصار التقدير وأمرت بأن أكون من المؤمنين وبإقامة الوجه للدين حنيفاً
المسألة الثانية إقامة الوجه كناية عن توجيه العقل بالكلية إلى طلب الدين لأن من يريد أن ينظر إلى شيء نظراً بالاستقصاء فإنه يقيم وجهه في مقابلته بحيث لا يصرفه عنه لا بالقليل ولا بالكثير لأنه لو صرفه عنه ولو بالقليل فقد بطلت تلك المقابلة وإذا بطلت تلك المقابلة فقد اختل الأبصار فلهذا السبب حسن جعل إقامة الوجه للدين كناية عن صرف العقل بالكلية إلى طلب الدين وقوله حَنِيفاً أي مائلاً إليه ميلاً كلياً معرضاً عما سواه إعراضاً كلياً وحاصل هذا الكلام هو الإخلاص التام وترك الالتفات إلى غيره فقوله أولاً وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ إشارة إلى تحصيل أصل الإيمان وقوله وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينِ حَنِيفًا إشارة إلى الاستغراق في نور الإيمان والإعراض بالكلية عما سواه
والقيد الخامس قوله وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكَينَ
واعلم أنه لا يمكن أن يكون هذا نهياً عن عبادة الأوثان لأن ذلك صار مذكوراً بقوله تعالى في هذه الآية فَلاَ أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فوجب حمل هذا الكلام على فائدة زائدة وهو أن من عرف مولاه فلو التفت بعد ذلك إلى غيره كان ذلك شركاً وهذا هو الذي تسميه أصحاب القلوب بالشرك الخفي


الصفحة التالية
Icon