تعالى وأن يكون بلسان القلب ونظر العقل يقول بسم الله مجريها ومرساها حتى تصل سفينة فكره إلى ساحل النجاة وتتخلص عن أمواج الضلالات
وأما قوله إِنَّ رَبّى لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ففيه سؤال وهو أن ذلك الوقت وقت الإهلاك وإظهار القهر فكيف يليق به هذا الذكر
وجوابه لعل القوم الذين ركبوا السفينة اعتقدوا في أنفسهم أنا إنما نجونا ببركة علمنا فالله تعالى نبههم بهذا الكلام لإزالة ذلك العجب منهم فإن الإنسان لا ينفك عن أنواع الزلات وظلمات الشهوات وفي جميع الأحوال فهو محتاج إلى إعانة الله وفضله وإحسانه وأن يكون رحيماً لعقوبته غفوراً لذنوبه
وَهِى َ تَجْرِى بِهِمْ فِى مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِى مَعْزِلٍ يابُنَى َّ ارْكَبَ مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ قَالَ سَآوِى إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِى مِنَ الْمَآءِ قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ
واعلم أن قوله وَهِى َ تَجْرِى بِهِمْ فِى مَوْجٍ كَالْجِبَالِ مسائل
المسألة الأولى قوله وَهِى َ تَجْرِى بِهِمْ فِى مَوْجٍ متعلق بمحذوف والتقدير وقال اركبوا فيها فركبوا فيها يقولون بسم الله وهي تجري بهم في موج كالجبال
المسألة الثانية الأمواج العظيمة إنما تحدث عند حصول الرياح القوية الشديدة العاصفة فهذا يدل على أنه حصل في ذلك الوقت رياح عاصفة شديدة والمقصود منه بيان شدة الهول والفزع
المسألة الثالثة الجريان في الموج هو أن تجري السفينة داخل الموج وذلك يوجب الغرق فالمراد أن الأمواج لما أحاطت بالسفينة من الجوانب شبهت تلك السفينة بما إذا جرت في داخل تلك الأمواج
ثم حكى الله تعالى عنه أنه نادى ابنه وفيه مسائل
المسألة الأولى اختلفوا في أنه كان ابناً له وفيه أقوال
القول الأول أنه ابنه في الحقيقة والدليل عليه أنه تعالى نص عليه فقال وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ ونوح أيضاً نص عليه فقال أَوْ بَنِى وصرف هذا اللفظ إلى أنه رباه فأطلق عليه اسم الابن لهذا السبب صرف للكلام عن حقيقته إلى مجازه من غير ضرورة وأنه لا يجوز والذين خالفوا هذا الظاهر إنما خالفوه لأنهم استبعدوا أن يكون ولد الرسول المعصوم كافراً وهذا بعيد فإنه ثبت أن والد رسولنا ( ﷺ ) كان كافراً ووالد إبراهيم عليه السلام كان كافراً بنص القرآن فكذلك ههنا ثم القائلون بهذا القول اختلفوا في أنه عليه السلام لما قال رَّبّ لاَ تَذَرْ عَلَى الاْرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً ( نوح ٢٦ ) فكيف ناداه مع كفره


الصفحة التالية
Icon