ينبغي فحينئذ يأمرونهم بطهارة الباطن وذلك بالمجاهدة في إزالة الأخلاق الذميمة وتحصيل الأخلاق الحميدة وأوائلها ما ذكره الله تعالى في قوله إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإْحْسَانِ وَإِيتَآء ذِى الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْى ( النحل ٩٠ ) وذلك لأنا ذكرنا أن العقائد الفاسدة والأخلاق الذميمة جارية مجرى الأمراض فإذا زالت فقد حصل الشفاء للقلب وصار جوهر الروح مطهراً عن جميع النقوش المانعة عن مطالعة عالم الملكوت
والمرتبة الثالثة حصول الهدى وهذه المرتبة لا يمكن حصولها إلا بعد المرتبة الثانية لأن جوهر الروح الناطقة قابل للجلايا القدسية والأضواء الإلهية وفيض الرحمة عام غير منقطع على ما قال عليه الصلاة والسلام ( إن لربكم في أيام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لها ) وأيضاً فالمنع إنما يكون إما للعجز أو للجهل أو للبخل والكل في حق الحق ممتنع فالمنع في حقه ممتنع فعلى هذا عدم حصول هذه الأضواء الروحانية إنما كان لأجل أن العقائد الفاسدة والأخلاق الذميمة طبعها طبع الظلمة وعند قيام الظلمة يمتنع حصول النور فإذا زالت تلك الأحوال فقد زال العائق فلا بد وأن يقع ضوء عالم القدس في جوهر النفس القدسية ولا معنى لذلك الضوء إلا الهدى فعند هذه الحالة تصير هذه النفس بحيث قد انطبع فيها نقش الملكوت وتجلى لها قدس اللاهوت وأول هذه المرتبة هو قوله أَحَدٌ يأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّة ُ ارْجِعِى إِلَى رَبّكِ ( الفجر ٢٧ ) وأوسطها قوله تعالى فَفِرُّواْ إِلَى اللَّهِ ( الذاريات ٥٠ ) وآخرها قوله قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِى خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ ( الأنعام ٩١ ) ومجموعها قوله وَللَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالاْرْضَ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الاْمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ( هود ١٢٣ ) وسيجيء تفسير هذه الآيات في مواضعها بإذن الله تعالى وهذه المرتبة هي المراد بقوله سبحانه وَهَدَى
وأما المرتبة الرابعة فهي أن تصير النفس البالغة إلى هذه الدرجات الروحانية والمعارج الربانية بحيث تفيض أنوارها على أرواح الناقصين فيض النور من جوهر الشمس على أجرام هذا العالم وذلك هو المراد بقوله وَرَحْمَة ٌ لّلْمُؤْمِنِينَ وإنما خص المؤمنين بهذا المعنى لأن أرواح المعاندين لا تستضيء بأنوار أرواح الأنبياء عليهم السلام لأن الجسم القابل للنور عن قرص الشمس هو الذي يكون وجهه مقابلاً لوجه الشمس فإن لم تحصل هذه المقابلة لم يقع ضوء الشمس عليه فكذلك كل روح لما لم تتوجه إلى خدمة أرواح الأنبياء المطهرين لم تنتفع بأنوارهم ولم يصل إليها آثار تلك الأرواح المطهرة المقدسة وكما أن الأجسام التي لا تكون مقابلة لقرص الشمس مختلفة الدرجات والمراتب في البعد عن هذه المقابلة ولا تزال تتزايد درجات هذا البعد حتى ينتهي ذلك الجسم إلى غاية بعده عن مقابلة قرص الشمس فلا جرم يبقى خالص الظلمة فكذلك تتفاوت مراتب النفوس في قبول هذه الأنوار عن أرواح الأنبياء ولا تزال تتزايد حتى تنتهي إلى النفس التي كملت ظلمتها وعظمت شقاوتها وانتهت في العقائد الفاسدة والأخلاق الذميمة إلى أقصى الغايات وأبعد النهايات فالحاصل أن الموعظة إشارة إلى تطهير ظواهر الخلق عما لا ينبغي وهو الشريعة والشفاء إشارة إلى تطهير الأرواح عن العقائد الفاسدة والأخلاق الذميمة وهو الطريقة والهدى وهو إشارة إلى ظهور نور الحق في قلوب الصديقين وهو الحقيقة والرحمة وهي إشارة إلى كونها بالغة في الكمال والإشراق إلى حيث تصير مكملة للناقصين وهي النبوة فهذه درجات عقلية ومراتب برهانية مدلول عليها بهذه


الصفحة التالية
Icon