حكمهم بحل بعض الأشياء وحرمة بعضها مع اشتراك الكل في الصفات المحسوسة والمنافع المحسوسة يدل على اعترافكم بصحة النبوة والرسالة وإذا كان الأمر كذلك فكيف يمكنكم أن تبالغوا هذه المبالغات العظيمة في إنكار النبوة والرسالة وحمل الآية على هذا الوجه الذي ذكرته طريق حسن معقول
الطريق الثاني في حسن تعلق هذه الآية بما قبلها هو أنه عليه الصلاة والسلام لما ذكر الدلائل الكثيرة على صحة نبوة نفسه وبين فساد سؤالاتهم وشبهاتهم في إنكارها أتبع ذلك ببيان فساد طريقتهم في شرائعهم وأحكامهم وبين أن التمييز بين هذه الأشياء بالحل والحرمة مع أنه لم يشهد بذلك لا عقل ولا نقل طريق باطل ومنهج فاسد والمقصود إبطال مذاهب القوم في أديانهم وفي أحكامهم وأنهم ليسوا على شيء في باب من الأبواب
المسألة الثانية المراد بالشيء الذي جعلوه حراماً ما ذكروه من تحريم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام وأيضاً قوله تعالى يَفْتَرُونَ وَقَالُواْ هَاذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ ( الأنعام ١٣٨ ) إلى قوله وَقَالُواْ مَا فِى بُطُونِ هَاذِهِ الانْعَامِ خَالِصَة ٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْواجِنَا ( الأنعام ١٣٩ ) وأيضاً قوله تعالى ثَمَانِيَة َ أَزْواجٍ مّنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ ( الأنعام ١٤٣ ) والدليل عليه أن قوله فَجَعَلْتُمْ مّنْهُ حَرَامًا إشارة إلى أمر تقدم منهم ولم يحك الله تعالى عنهم إلا هذا فوجب توجه هذا الكلام إليه ثم لما حكى تعالى عنهم ذلك قال لرسوله عليه الصلاة والسلام قُلِ اللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ وهذه القسمة صحيحة لأن هذه الأحكام إما أن تكون من الله تعالى أو لم تكن من الله فإن كانت من الله تعالى فهو المراد بقوله اللَّهِ أَذِنَ لَكُمْ وإن كانت ليست من الله فهو المراد بقوله أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ
ثم قال تعالى وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وهذا وإن كان في صورة الاستعلام فالمراد منه تعظيم وعيد من يفتري على الله وقرأ عيسى بن عمر وَمَا ظَنُّ على لفظ الفعل ومعناه أي ظن ظنوه يوم القيامة وجيء به على لفظ الماضي لما ذكرنا أن أحوال القيامة وإن كانت آتية إلا أنها لما كانت واجبة الوقوع في الحكمة ولا جرم عبر الله عنها بصيغة الماضي
ثم قال إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ أي بإعطاء العقل وإرسال الرسل وإنزال الكتب وَلَاكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ فلا يستعملون للعقل في التأمل في دلائل الله تعالى ولا يقبلون دعوة أنبياء الله ولا ينتفعون باستماع كتب الله
المسألة الثالثة ما في قوله تعالى قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّا أَنزَلَ اللَّهُ فيه وجهان أحدهما بمعنى الذي فينتصب برأيتم والآخر أن يكون بمعنى أي في الاستفهام فينتصب بأنزل وهو قول الزجاج ومعنى أنزل ههنا خلق وأنشأ كقوله وَأَنزَلَ لَكُمْ مّنَ الاْنْعَامِ ثَمَانِيَة َ أَزْواجٍ ( الزمر ٦ ) وجاز أن يعبر عن الخلق بالإنزال لأن كل ما في الأرض من رزق فما أنزل من السماء من ضرع وزرع وغيرهما فلما كان إيجاده بالإنزال سمي إنزالاً
وَمَا تَكُونُ فِى شَأْنٍ وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ مِن قُرْءَانٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّة ٍ فِي الأرض وَلاَ فِى السَّمَآءِ وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذالِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِى كِتَابٍ مُّبِينٍ


الصفحة التالية
Icon