والجواب عن الأول أن مثل هذه المحنة الشديدة تزيل عن القلب كل ما سواه من الخواطر ثم إن صاحب هذه المحنة الشديدة يكون كثير الرجوع إلى الله تعالى كثير الاشتغال بالدعاء والتضرع فيصير ذلك سبباً لكمال الاستغراق
والجواب عن الثاني أن الداعي الإنسانية لا تزول في الحياة العاجلة فتارة كان يقول فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ ( يوسف ٨٤ ) وتارة كان يقول فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ( يوسف ١٨ ) وأما بقية الأسئلة فالقاضي أجاب عنها بجواب كلي حسن فقال هذه الوقائع التي نقلت إلينا إما يمكن تخريجها على الأحوال المعتادة أو لا يمكن فإن كان الأول فلا إشكال وإن كان الثاني فنقول كان ذلك الزمان زمان الأنبياء عليهم السلام وخرق العادة في هذا الزمان غير مستبعد فلم يمتنع أن يقال إن بلدة يعقوب عليه السلام مع أنها كانت قريبة من بلدة يوسف عليه السلام ولكن لم يصل خبر أحدهما إلى الآخر على سبيل نقض العادة
فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ قَالُواْ ياأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَة ٍ مُّزْجَاة ٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ إِنَّ اللَّهَ يَجْزِى الْمُتَصَدِّقِينَ قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ قَالُوا أَءِنَّكَ لاّنتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وَهَاذَا أَخِى قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَآ إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ
اعلم أن المفسرين اتفقوا على أن ههنا محذوفاً والتقدير أن يعقوب لما قال لبنيه اذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ قبلوا من أبيهم هذه الوصية فعادوا إلى مصر ودخلوا على يوسف عليه السلام فقالوا له هُوَ الْقَوِى ُّ الْعَزِيزُ
فإن قيل إذا كان يعقوب أمرهم أن يتحسسوا أمر يوسف وأخيه فلماذا عدلوا إلى الشكوى وطلبوا إيفاء الكيل
قلنا لأن المتحسسين يتوسلون إلى مطلوبهم بجميع الطرق والاعتراف بالعجز وضيق اليد ورقة الحال وقلة المال وشدة الحاجة مما يرقق القلب فقالوا نجربه في ذكر هذه الأمور فإن رق قلبه لنا ذكرنا له المقصود وإلا سكتنا فلهذا السبب قدموا ذكر هذه الواقعة وقالوا هُوَ الْقَوِى ُّ الْعَزِيزُ والعزيز هو الملك القادر المنيع مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وهوا الفقر والحاجة وكثرة العيال وقلة الطعام وعنوا بأهلهم من خلفهم وَجِئْنَا بِبِضَاعَة ٍ مُّزْجَاة ٍ وفيه أبحاث