السجن أضافه إلى نفسه بقوله إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ السّجْنِ ومجيئهم من البدو وأضافه إلى نفسه سبحانه بقوله وَجَاء بِكُمْ مّنَ الْبَدْوِ وهذا صريح في أن فعل العبد بعينه فعل الله تعالى وحمل هذا على أن المراد أن ذلك إنما حصل بإقدار الله تعالى وتيسيره عدول عن الظاهر
ثم قال مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِى وَبَيْنَ إِخْوَتِى قال صاحب ( الكشاف ) نَّزغَ أفسد بيننا وأغوى وأصله من نزغ الراكض الدابة وحملها على الجري يقال نزغه ونسغه إذا نخسه
واعلم أن الجبائي والكعبي والقاضي احتجوا بهذه الآية على بطلان الجبر قالوا لأنه تعالى أخبر عن يوسف عليه السلام أنه أضاف الإحسان إلى الله وأضاف النزغ إلى الشيطان ولو كان ذلك أيضاً من الرحمن لوجب أن لا ينسب إلا إليه كما في النعم
والجواب أن إضافته هذا الفعل إلى الشيطان مجاز لأن عندكم الشيطان لا يتمكن من الكلام الخفي وقد أخبر الله عنه فقال وَمَا كَانَ لِى َ عَلَيْكُمْ مّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِى ( إبراهيم ٢٢ ) فثبت أن ظاهر القرآن يقتضي إضافة هذا الفعل إلى الشيطان مع أنه ليس كذلك وأيضاً فإن كان إقدام المرء على المعصية بسبب الشيطان فإقدام الشيطان على المعصية إن كان بسبب شيطان آخر لزم التسلسل وهو محال وإن لم يكن بسبب شيطان آخر فليقل مثله في حق الإنسان فثبت أن إقدام المرء على الجهل والفسق ليس بسبب الشيطان وليس إيضاً بسبب نفسه لأن أحداً لا يميل طبعه إلى اختيار الجهل والفسق الذي يوجب وقوعه في ذم الدنيا وعقاب الآخرة ولما كان وقوعه في الكفر والفسق لا بد له من موقع وقد بطل القسمان لم يبق إلا أن يقال ذلك من الله تعالى ثم الذي يؤكد ذلك أن الآية المتقدمة على هذه الآية وهي قوله إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ السّجْنِ وَجَاء بِكُمْ مّنَ الْبَدْوِ صريح في أن الكل من الله تعالى
ثم قال إِنَّ رَبّى لَطِيفٌ لّمَا يَشَاء والمعنى أن حصول الاجتماع بين يوسف وبين أبيه وإخوته مع الألفة والمحبة وطيب العيش وفراغ البال كان في غاية البعد عن العقول إلا أنه تعالى لطيف فإذا أراد حصول شيء سهل أسبابه فحصل وإن كان في غاية البعد عن الحصول
ثم قال إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ أعني أن كونه لطيفاً في أفعاله إنما كان لأجل أنه عليم بجميع الاعتبارات الممكنة التي لا نهاية لها فيكون عالماً بالوجه الذي يسهل تحصيل ذلك الصعب وحكيم أي محكم في فعله حاكم في قضائه حكيم في أفعاله مبرأ عن العبث والباطل والله أعلم
رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِى مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِى مِن تَأْوِيلِ الاٌّ حَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ والأرض أَنتَ وَلِى ِّ فِى الدُّنُيَا وَالاٌّ خِرَة ِ تَوَفَّنِى مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِى بِالصَّالِحِينَ
في الآية مسائل
المسألة الأولى روي أن يوسف عليه السلام أخذ بيد يعقوب وطاف به في خزائنه فأدخله خزائن