والجواب أحسن ما قيل فيه أن كمال حال المسلم أن يستسلم لحكم الله تعالى على وجه يستقر قلبه على ذلك الإسلام ويرضى بقضاء الله وقدره ويكون مطمئن النفس منشرح الصدر منفسح القلب في هذا الباب وهذه الحالة زائدة على الإسلام الذي هو ضد الكفر فالمطلوب ههنا هو الإسلام بهذا المعنى
المسألة الخامسة أن يوسف عليه السلام كان من أكابر الأنبياء عليهم السلام والصلاح أول درجات المؤمنين فالواصل إلى الغاية كيف يليق به أن يطلب البداية قال ابن عباس رضي الله عنهما وغيره من المفسرين يعني بآبائه إبراهيم وإسمعيل وإسحق ويعقوب والمعنى ألحقني بهم في ثوابهم ومراتبهم ودرجاتهم وههنا مقام آخر من تفسير هذه الآية على لسان أصحاب المكاشفات وهو أن النفوس المفارقة أذا أشرقت بالأنوار الإلهية واللوامع القدسية فإذا كانت متناسبة متشاكلة انعكس النور الذي في كل واحدة منها إلى الأخرى بسبب تلك الملازمة والمجانسة فتعظم تلك الأنوار وتقوى تلك الأضواء ومثال تلك الأحوال المرآة الصقيلة الصافية إذا وضعت وضعاً متى أشرقت الشمس عليها انعكس الضوء من كل واحدة منها إلى الأخرى فهناك يقوى الضوء ويكمل النور وينتهي في الإشراق والبريق اللمعان إلى حد لا تطيقه العيون والأبصار الضعيفة فكذا ههنا
ذَلِكَ مِنْ أَنبَآءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ
اعلم أن قوله ذالِكَ رفع بالابتداء وخبره مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ خبر ثان وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ أي ما كنت عند إخوة يوسف إِذْ أَجْمَعُواْ أَمْرَهُمْ أي عزموا على أمرهم وذكرنا الكلام في هذا اللفظ عند قوله فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وقوله وَهُمْ يَمْكُرُونَ أي بيوسف واعلم أن المقصد من هذا إخبار عن الغيب فيكون معجزاً بيان إن إخبار عن الغيب أن محمداً ( ﷺ ) ما طالع الكتب ولم يتلمذ لأحد وما كانت البلدة بلدة العلماء فإتيانه بهذه القصة الطويلة على وجه لم يقع فيه تحريف ولا غلط من غير مطالعة ولا تعلم ومن غير أن يقال إنه كان حاضراً معهم لا بد وأن يكون معجزاً وكيف يكون معجزاً وقد سبق تقرير هذه المقدمة في هذا الكتاب مراراً وقوله وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ أي وما كنت هناك ذكر على سبيل التهكم بهم لأن كل أحد يعلم أن محمداً ( ﷺ ) ما كان معهم
وَمَآ أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ وَكَأَيِّن مِّن ءَايَة ٍ فِى السَّمَاوَاتِ والأرض يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ أَفَأَمِنُوا أَن تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَة ٌ مِّنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَة ُ بَغْتَة ً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ


الصفحة التالية
Icon