أبي مليكة عن ابن عباس رضي الله عنهما قالوا وإنما كان الأمر كذلك لأجل ضعف البشرية إلا أنه بعيد لأن المؤمن لا يجوز أن يطن بالله الكذب بل يخرج بذلك عن الإيمان فكيف يجوز مثله على الرسل وأما قراءة التشديد ففيها وجهان الأول أن الظن بمعنى اليقين أي وأيقنوا أن الأمم كذبوهم تكذيباً لا يصدر منهم الإيمان بعد ذلك فحينئذ دعوا عليهم فهنالك أنزل الله سبحانه عليهم عذاب الاستئصال وورود الظن بمعنى العلم كثير في القرآن قال تعالى الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُوا رَبّهِمْ ( البقرة ٤٦ ) أي يتيقنون ذلك والثاني أن يكون الظن بمعنى الحسبان والتقدير حتى إذا استيأس الرسل من إيمان قومهم فظن الرسل أن الذين آمنوا بهم كذبوهم وهذا التأويل منقول عن عائشة رضي الله عنها وهو أحسن الوجوه المذكورة في الآية روي أن ابن أبي مليكة نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال وظن الرسل أنهم كذبوا لأنهم كانوا بشراً ألا ترى إلى قوله حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءامَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ ( البقرة ٢١٤ ) قال فذكرت ذلك لعائشة رضي الله عنها فأنكرته وقالت ما وعد الله محمداً ( ﷺ ) شيئاً إلا وقد علم أنه سيوفيه ولكن البلاء لم يزل بالأنبياء حتى خافوا من أن يكذبهم الذين كانوا قد آمنوا بهم وهذا الرد والتأويل في غاية الحسن من عائشة
وأما قوله جَاءهُمْ نَصْرُنَا أي لما بلغ الحال إلى الحد المذكور جَاءهُمْ نَصْرُنَا فَنُجّى َ مَن نَّشَاء قرأ عاصم وابن عامر فَنُجّى َ مَن نَّشَاء بنون واحدة وتشديد الجيم وفتح الياء على ما لم يسم فاعله واختاره أبو عبيدة لأنه في المصحف بنون واحدة وروي عن الكسائي إدغام إحدى النونين في الأخرى وقرأ بنون واحدة وتشديد الجيم وسكون الياء قال بعضهم هذا خطأ لأن النون متحركة فلا تدغم في الساكن ولا يجوز إدغام النون في الجيم والباقون بنونين وتخفيف الجيم وسكون الياء على معنى ونحن نفعل بهم ذلك
واعلم أن هذا حكاية حال ألا ترى أن القصة فيما مضى وإنما حكى فعل الحال كما أن قوله مِن شِيعَتِهِ وَهَاذَا مِنْ عَدُوّهِ ( القصص ١٥ ) إشارة إلى الحاضر والقصة ماضية
لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَة ٌ لاوْلِى الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَاكِن تَصْدِيقَ الَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَى ْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَة ً لْقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
اعلم أن الاعتبار عبارة عن العبور من الطرف المعلوم إلى الطرف المجهول والمراد منه التأمل والتفكر ووجه الاعتبار بقصصهم أمور الأول أن الذي قدر على إعزاز يوسف بعد إلقائه في الجب وإعلائه بعد حبسه في السجن وتمليكه مصر بعد أن كانوا يظنون به أنه عبد لهم وجمعه مع والديه وإخوته على ما أحب بعد المدة الطويلة لقادر على إعزاز محمد ( ﷺ ) وإعلاء كلمته الثاني أن الإخبار عنه جار مجرى الإخبار عن الغيب فيكون معجزة دالة على صدق محمد ( ﷺ ) الثالث أنه ذكر في أول السورة نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ ( يوسف ٣ ) ثم ذكر في آخرها لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَة ٌ لاّوْلِى الالْبَابِ