الأمور التي قبلها فاعرف أن تلك اللقمة من الخبز لا تتم ولا تكمل إلا إذا كان هذا العالم بكليته قائماً على الوجه الأصوب لأن الحنطة لا بد منها وأنها لا تنبت إلا معونة الفصول الأربعة وتركيب الطبائع وظهور الرياح والأمطار ولا يحصل شيء منها إلا بعد دوران الأفلاك واتصال بعض الكواكب ببعض على وجوه مخصوصة في الحركات وفي كيفيتها في الجهة والسرعة والبطء ثم بعد أن تكون الحنطة لا بد من آلات الطحن والخبز وهي لا تحصل إلا عند تولد الحديد في أرحام الجبال ثم إن الآلات الحديدية لا يمكن إصلاحها إلا بآلات أخرى حديدية سابقة عليها ولا بد من انتهائها إلى آلة حديدية هي أول هذه الآلات فتأمل أنها كيف تكونت على الأشكال المخصوصة ثم إذا حصلت تلك الآلات فانظر أنه لا بد من اجتماع العناصر الأربعة وهي الأرض والماء والهواء والنار حتى يمكن طبخ الخبز من ذلك الدقيق فهذا هو النظر فيما تقدم على حصول هذه اللقمة وأما النظر فيما بعد حصولها فتأمل في تركيب بدن الحيوان وهو أنه تعالى كيف خلق الأبدان حتى يمكنها الانتفاع بتلك اللقمة وأنه كيف يتضرر الحيوان بالأكل وفي أي الأعضاء تحدث تلك المضار ولا يمكنك أن تعرف القليل من هذه الأشياء إلا بمعرفة علم التشريح وعلم الطب بالكلية فظهر بما ذكرنا أن الانتفاع باللقمة الواحدة لا يمكن معرفته إلا بمعرفة جملة الأمور والعقول قاصرة عن إدراك ذرة من هذه المباحث فظهر بهذا البرهان القاهر صحة قوله تعالى وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَة َ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا ثم إنه تعالى قال إِنَّ الإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ قيل يظلم النعمة بإغفال شكرها كفار شديد الكفران لها وقيل ظلوم في الشدة يشكو ويجزع كفار في النعمة يجمع ويمنع والمراد من الإنسان ههنا الجنس يعني أن عادة هذا الجنس هو هذا الذي ذكرناه وههنا بحثان
البحث الأول أن الإنسان مجبول على النسيان وعلى الملالة فإذا وجد نعمة نسيها في الحال وظلمها بترك شكرها وإن لم ينسها فإنه في الحال يملها فيقع في كفران النعمة وأيضاً أن نعم الله كثيرة فمتى حاول التأمل في بعضها غفل عن الباقي
البحث الثاني أنه تعالى قال في هذا الموضع إِنَّ الإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ وقال في سورة النحل إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ( النحل ١٨ ) ولما تأملت فيه لاحت لي فيه دقيقة كأنه يقول إذا حصلت النعم الكثيرة فأنت الذي أخذتها وأنا الذي أعطيتها فحصل لك عند أخذها وصفان وهما كونك ظلوماً كفاراً ولي وصفان عند إعطائها وهما كوني غفوراً رحيماً والمقصود كأنه يقول إن كنت ظلوماً فأنا غفور وإن كنت كفاراً فأنا رحيم أعلم عجزك وقصورك فلا أقابل تقصيرك إلا بالتوفير ولا أجازي جفاء إلا بالوفاء ونسأل الله حسن العاقبة والرحمة
وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَاذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِى وَبَنِى َّ أَن نَّعْبُدَ الاٌّ صْنَامَ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِى فَإِنَّهُ مِنِّى وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
اعلم أنه تعالى لما بين بالدلائل المتقدمة أنه لا معبود إلا الله سبحانه وأنه لا يجوز عبادة غيره تعالى


الصفحة التالية
Icon