بالذكر في قوله تعالى فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ ( التوبة ١١٤ ) والله أعلم وفي قوله يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ قولان الأول يقوم أي يثبت وهو مستعار من قيام القائم على الرجل والدليل عليه قولهم قامت الحرب على ساقها ونظيره قوله ترجلت الشمس أي أشرقت وثبت ضوءها كأنها قامت على رجل الثاني أن يسند إلى الحساب قيام أهله على سبيل المجاز مثل قوله وَاسْئَلِ الْقَرْيَة َ ( يوسف ٨٢ ) أي أهلها والله أعلم
وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِى رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ
اعلم أنه لما بين دلائل التوحيد ثم حكى عن إبراهيم عليه السلام أنه طلب من الله أن يصونه عن الشرك وطلب منه أن يوفقه للأعمال الصالحة وأن يخصه بالرحمة والمغفرة في يوم القيامة ذكر بعد ذلك ما يدل على وجود يوم القيامة وما يدل على صفة يوم القيامة أما الذي يدل على وجود القيامة فهو قوله وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ فالمقصود منه التنبيه على أنه تعالى لو لم ينتقم للمظلوم من الظالم لزم أن يكون إما غافلاً عن ذلك الظالم أو عاجزاً عن الإنتقام أو كان راضياً بذلك الظلم ولما كانت الغفلة والعجز والرضا بالظلم محالاً على الله امتنع أن لا ينتقم للمظلوم من الظالم
فإن قيل كيف يليق بالرسول ( ﷺ ) أن يحسب الله موصوفاً بالغفلة
والجواب من وجوه الأول المراد به التثبيت على ما كان عليه من أنه لا يحسب الله غافلاً كقوله وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكَينَ ( الأنعام ١٤ ) وَلاَ تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً ءاخَرَ ( القصص ٨٨ ) وكقوله ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ والثاني أن المقصود منه بيان أنه لو لم ينتقم لكان عدم الإنتقام لأجل غفلته عن ذلك الظلم ولما كان امتناع هذه الغفلة معلوماً لكل أحد لا جرم كان عدم الانتقام محالاً والثالث أن المراد ولا تحسبنه يعاملهم معاملة الغافل عما يعملون ولكن معاملة الرقيب عليهم المحاسب على النقير والقطمير الرابع أن يكون هذا الكلام وإن كان خطاباً مع النبي ( ﷺ ) في الظاهر إلا أنه يكون في الحقيقة خطاباً مع الأمة وعن سفيان بن عيينة أنه تسلية للمظلوم وتهديد للظالم ثم بين تعالى أنه إنما يؤخر عقاب هؤلاء الظالمين ليوم موصوف بصفات
الصفة الأولى أنه تشخص فيه الأبصار يقال شخص بصر الرجل إذا بقيت عينه مفتوحة لا يطرفها وشخوص البصر يدل على الحيرة والدهشة وسقوط القوة
والصفة الثانية قوله مُهْطِعِينَ وفي تفسير الإهطاع أقوال أربعة
القول الأول قال أبو عبيدة هو الإسراع يقال أهطع البعير في سيره واستهطع إذا أسرع وعلى هذا الوجه فالمعنى أن الغالب من حال من يبقى بصره شاخصاً من شدة الخوف أن يبقى واقفاً فبين الله تعالى