يوجد فيه مطعن ولا ينسب إليه شيء من المعاصي ورابعها أن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام قالا في الدعاء رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ( البقرة ١٨٢ ) وكانا في ذلك الوقت مسلمين وكأن المراد هناك ثبتنا على هذا أو المراد اجعلنا فاضلين من أنبيائك المسلمين فكذا ههنا واحتج أصحابنا في مسألة خلق الأفعال بهذه الآية لأنه إنما يكون رضياً بفعله فلما سأل الله تعالى جعله رضياً دل على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى فإن قيل المراد منه أن يلطف له بضروب الألطاف فيختار ما يصير مرضياً فينسب ذلك إلى الله تعالى والجواب من وجهين الأول أن جعله رضياً لو حملناه على جعل الألطاف وعندها يصير المرء باختياره رضياً لكان ذلك مجازاً وهو خلاف الأصل والثاني أن جعل تلك الألطاف واجبة على الله تعالى لا يجوز الإخلال به وما كان واجباً لا يجوز طلبه بالدعاء والتضرع
يازَكَرِيَّآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً
فيه مسائل
المسألة الأولى اختلفوا في من المنادي بقوله يا زكريا فالأكثرون على أنه هو الله تعالى وذلك لأن ما قبل هذه الآية يدل على أن زكريا عليه السلام إنما كان يخاطب الله تعالى ويسأله وهو قوله رَبّ إِنّى وَهَنَ الْعَظْمُ مِنّى ( مريم ٤ ) وقوله وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبّ شَقِيّاً ( مريم ٤ ) وقوله فَهَبْ لِى ( مريم ٥ ) وما بعدها يدل على أنه كان يخاطب الله تعالى وهو يقول رَبّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ إذا كان ما قبل هذه الآية وما بعدها خطاباً مع الله تعالى وجب أن يكون النداء من الله تعالى وإلا لفسد النظم ومنهم من قال هذا نداء الملك واحتج عليه بوجهين الأول قوله تعالى في سورة آل عمران فَنَادَتْهُ الْمَلَئِكَة ُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلّى فِى الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشّرُكَ بِيَحْيَى ( آل عمران ٣٩ ) الثاني أن زكريا عليه السلام لما قال أَنَّى يَكُونُ لِى غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِى عَاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيّاً قَالَ كَذالِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَى َّ هَيّنٌ ( مريم ٨ ٩ ) وهذا لا يجوز أن يكون كلام الله فوجب أن يكون كلام الملك والجواب عن الأول أنه يحتمل أن يقال حصل النداءان نداء الله ونداء الملائكة وعن الثاني أنا نبين إن شاء تعالى أن قوله قَالَ كَذالِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَى َّ هَيّنٌ يمكن أن يكون كلام الله
المسألة الثانية فإن قيل إن كان الدعاء بإذن فما معنى البشارة وإن كان بغير إذن فلماذا أقدم عليه والجواب هذا أمر يخصه فيجوز أن يسأل بغير إذن ويحتمل أنه أذن له فيه ولم يعلم وقته فبشر به
المسألة الثالثة اختلف المفسرون في قوله لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً على وجهين أحدهما وهو قول ابن عباس والحسن وسعيد بن جبير وعكرمة وقتادة أنه لم يسم أحد قبله بهذا الاسم الثاني أن المراد بالسمي النظير كما في قوله هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً ( مريم ٦٥ ) واختلفوا في ذلك على وجوه أحدها أنه سيد وحصور لم يعص ولم يهم بمعصية كأنه جواب لقوله وَاجْعَلْهُ رَبّ رَضِيّاً ( مريم ٦ ) فقيل له إنا نبشرك بغلام لم نجعل له من قبل شبيهاً في الدين ومن كان هكذا فهو في غاية الرضا وهذا الوجه ضعيف لأنه يقتضي تفضيله على الأنبياء الذين كانوا قبله كآدم ونوح وإبراهيم وموسى وذلك باطل بالإتفاق وثانيها أن كل الناس إنما يسميهم آباؤهم وأمهاتهم بعد دخولهم في الوجود وأما يحيى عليه السلام فإن الله تعالى هو الذي سماه