بعد أن صُدم فرعون بدعوة موسى وهارون عليهما السلام، وتفاجأ بقولهما:’’إنّا رسول رب العالمين، أن أرسل معنا بني إسرائيل‘‘(١)، راح يفتش عن شبهة يدحض بها ما به دمار عرشه وذهاب ملكه وبيان دجله وكذبه، فقال موجها الخطاب لموسى عليه السلام:’’ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين، وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين‘‘(٢). قال ذلك على جهة المنّ عليه والإحتقار، أي ربيناك صغيرا ولم نقتلك في جملة من قتلنا، ولبثت فينا من عمرك سنين فمتى كان هذا الذي تدعيه؟ثمّ قرره بقتل القبطي بقوله: وفعلت فعلتك التي فعلت، وبّخه بها معظما إياها بعدما عدد عليه نعمته، أي فِعلَتَك الفظيعة التي تعرف، والتي لا يليق الحديث عنها بألفاظ صريحة، فكيف تدعي مع علمنا أحوالك بأنّ الله أرسلك؟وأنت من الكافرين بالنّعم المعتادين لغمطها، ومن اعتاد ذلك لا يكون مثل هذه الجناية بدعا منه، فعمدت إلى قتل خواصي، أو ممن تكفرهم الآن، فإنّه عليه الصلاة والسلام معصوم من الكفر وكان يعايشهم بالتقية، أو أنّه من الكافرين بآلهيته أو بنعمته لما عاد عليه بالمخالفة أو من الذين كانوا يكفرون في دينهم(٣).
تلك هي سياسة الطاغوت حين يعمد إلى إشغال الجماعة المسلمة في معارك جانبية تُبعدها عن هدفها الأساسي الذي من أجله تتحرك وتجاهد، ويحاول عبر مناوراته ومؤامراته وضعها في دائرة الإتهام، لتعطيل قدرتها على إحداث التغيير المنشود. حينئذ يجب على الجماعة الإنتباه واليقظة من الفخ المنصوب على الطريق، بحيث تستطيع أن تتخطاه دون أن يؤثر ذلك على الخط العام الذي تسير الجماعة عليه. وهكذا جمع موسى عليه السلام بين الردّ المُحكم على الشبهة المُثارة وبين التقدّم إلى الأمام. فماذا كان جواب موسى عليه السلام؟

(١) الشعراء: ١٦-١٧].
(٢) الشعراء: ١٨-١٩].
(٣) انظر: تفسير القرطبي(١٣/٩٥)وتفسير البيضاوي(٤/٢٣٤)وتفسير ابي السعود(٦/٢٣٨)وفتح القدير(٤/٩٦).


الصفحة التالية
Icon