إنّنا ومن خلال هذا الحوار الذي أداره موسى عليه السلام وكيفية ردّه على الشبهات والأسئلة التي أثارها فرعون ندرك مدى ما كان يتمتع به موسى من قدرة على الحوار والمناقشة والإقناع بالحجة والدليل والمنطق الواضح السليم. وهذا يعني أنّ من أراد أن يتصدر للدعوة إلى الله-وخصوصا هذه الأيام حيث تثار الشُّبَهُ من الأعداء-لا بدّ له من قدرات ومهارات خاصة بالإضافة إلى سعة العلم والاطلاع وخصوصا على ثقافة العصر ولغته وما يدور فيه من أحداث وأفكار.
إنّ سعة الصدر وغزارة العلم مؤهلات ضرورية لكل من أراد أن يتصدر طاولة الحوار والمناقشة؛ذلك أنّ مناقشة الشبهات والآراء تستلزم مثل هذه المؤهلات. ومن هنا فإنّنا نُؤاخذ كل من يضع نفسه في مقام لا يستطيع القيام بما يمليه عليه ذلك المقام، بل إنّ هناك من يتصدر للدعوة في ظروف معينة ويفشل في إدارة الحوار ويعجز عن الرد، وبالتالي يُظهر الإسلام وكأنّه دين ضعيف، فيسيء من حيث أراد الإحسان، وربما-وللأسف-هناك من يعدُّ الظهور في الحوارات نوعا من الوجاهة ولو كانت على حساب الدين، وهذه طامة كبرى.
كما لا بد-للمتصدر للحوار-أن تتوفر فيه الشجاعة لقول كلمة الحق، وأن لا يداهن على حساب هذا الدين، طمعا في منصب أو جاه أو مال!وعليه أن لا يُساير الباطل ولو قيد أُنملة. وهناك من يأتي بالعبارات المبهمة يتحاشى بذلك قول الحقيقة الساطعة الواضحة؛فتبقى الأمور ضبابية غير معلومة عند الجماهير الذين يشاهدون ويسمعون، وهي علة يُعاني منها الخطاب الإسلامي، وسبب في تعثر المسير نحو الهدف.
وفي مقابل المبهوتين بالحضارة الغربية والداعين لتطوير الدّين ليواكب-بزعمهم-لغة العصر يأتي المتنطعون، والذين يُظهرون الدّين كما وأنّه زنزانة فكرية متحجرة، ويظنون بهذا أنّهم يُحافظون على الدين ويخدمونه، وهم بذلك يقضُونَ عليه ويخربونه ويُنَفِرُّون النّاس منه، بل إنّ هناك من لو ترك الأمر إليهم لمات هذا الدّين ولفقد قدرته على الحياة.


الصفحة التالية
Icon