فالله سبحانه وتعالى كاف من توكل عليه، يقول تعالى:’’أليس الله بكاف عبده‘‘(١)، وهذا(إنكار ونفي لعدم كفايته تعالى على أبلغ وجه، كأنّ الكفاية من التحقق والظهور بحيث لا يقدر أحد على أن يتفوه بعدمها أو يتلعثم في الجواب بوجودها)(٢). وكثيرا ما يقرن الله تعالى بين العبادة والتوكل كقوله تعالى:’’فاعبده وتوكّل عليه‘‘(٣)؛(فإنّه كافيك كل ما تكره، ومعطيك كل ما تحب)(٤)، و(في تأخير الأمر بالتوكل عن الأمر بالعبادة إشعار أنّه لا ينفع دونها)(٥).
تفويض الأمر إلى الله
ويلحق بالتوكل تفويض الأمر إلى الله، والتفويض لغة: من(فوض إليه الأمر صيره إليه وجعله الحاكم فيه.. ويقال: فوّض أمره إليه إذا رده إليه وجعله الحاكم فيه)(٦)، فهو ردٌ للأمر إلى الغير لينظر فيه، وعند المفسرين:(رد الأمر إلى الله، والتبرؤ من الحول والقوة)(٧)، وهو(رد ما جهلت علمه إلى عالمه، والتفويض مقدمة للرضا والرضا باب الله)(٨).
لقد اجتهد مؤمن آل فرعون بالنّصيحة لقومه، ولكنّهم أعرضوا وتولوا، حينئذ قال لهم:’’فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري إلى الله، إنّ الله بصير بالعباد‘‘(٩)، أي(سوف تعلمون صدق ما أمرتكم به ونهيتكم عنه ونصحتكم ووضحت لكم وتتذكرونه، وتندمون حيث لا ينفعكم الندم)(١٠)، وأفوض أمي إلى الله، أي(وأسلم أمري إلى الله وأجعله إليه وأتوكل عليه، فإنّه الكافي من توكل عليه)(١١)، وقيل: (هذا يدل على أنّهم أرادوا قتله)(١٢)، أو أنّه تعرّض لتهديد ما، وأرادوا الإيقاع به لمخالفته لهم في الدّين(١٣).
(٢) روح المعاني(٢٤/٥).
(٣) هود: ١٢٣].
(٤) فتح القدير(٢/٥٣٥).
(٥) تفسير ابي السعود(٤/٢٤٩).
(٦) لسان العرب، مادة: فوض(٧/٢١٠)مع بعض التصرف. وانظر: مختار الصحاح، مادة: فوض(١/٢١٥).
(٧) التعاريف(١/١٩٥).
(٨) حلية الأولياء(١٠/٢٤٥).
(٩) غافر: ٤٤].
(١٠) تفسير ابن كثير(٤/٨٢).
(١١) تفسير الطبري(٢٤/٧٠).
(١٢) تفسير القرطبي(١٥/٣١٨).
(١٣) انظر: تفسير الواحدي(٢/٩٤٦).